أيها المسلمون: إن الله حرم الربا في كتابه العزيز، وحرمه رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع العلماء على تحريمه، ولم يُحل في ملة قط، فمن اعتقد حله وقد جاءته الآيات والأحاديث، فإنه مفارق للإسلام، وخارج منه، لكونه مكذباً لله ورسوله، راداً على الله ورسوله، قال - تعالى -: " قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ "، فانظروا عباد الله كيف أذن الله - جل وعلا - بقتال من لم يُحرم ما حرمه الله ورسوله، بل وأذن في حربهم، وأخرجهم من دائرة الإيمان والعياذ بالله، فالربا حرام لما يحتويه من ظلم للبشرية، وأكل لحقوق الإنسانية، في الربا تجتمع جميع الشرور، بفعل الربا تصبح الأمم طبقتان، طبقة غنية، وأخرى فقيرة، الربا من أسباب الكسل والخمول، الربا حرام كله، مهما كانت أسبابه ودوافعه، فليس هناك مسوغ يجيز لعبد من عباد الله أن ينتهك حرمات ربه وخالقه، الربا حرام في الأمور الاستهلاكية والإنتاجية، الربا حرام مع المسلمين وغير المسلمين، الربا حرام ولو حصل التراضي بين الطرفين، لأنه عدوان لله ولرسوله، ومعصية ظاهرة الحجة والبيان.
أمة الإسلام: احذروا سخط الله ومقته وغضبه، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بفعل الطاعات، واجتناب المنهيات، ألا وإن أعظم المنهيات بعد الشرك بالله التعامل بالربا، ولا يغرنكم من هلك مع الهالكين، فتلكم سبيل الغافلين، وعاقبة المجرمين، وتعاملوا فيما بينكم بالمعاملات الطيبة النافعة، وكونوا عباد الله إخواناً، فرأس المال والخبرات، تورث المنافع والخيرات، فاحذروا الربا أيها الناس، لا يغرنك تسهيلاتهم، فهم والله لم يسهلوها محبة لكم، وإنما يريدون اقتناصكم، فاليوم تكون الأمور سهلة، وغداً تجتمع الديون، ويكثر المطالبون، فلا تستطيعون وفاءها، فيعود الغني فقيراً، والمترف مفلساً، فاتقوا الله - تعالى - في أموالكم، واحذروا دخول الربا فيها، وابتعدوا عنها طاعة لله، وخوفاً من عقوبته، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
أيها المسلمون: كل الناس يعلم حرمة الزنا، ولقد جعل الله الربا أشد من الزنا، قال - صلى الله عليه وسلم -: " درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية " [أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط، وصححه الألباني]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " الربا ثلاث وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه " [أخرجه الحاكم وصححه الألباني]، أعاذنا الله وإياكم من مضلات الفتن، وسوء المحن، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فأستغفر الله منه، واستغفروه إنه كان للأوابين غفوراً.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر له شكراً شكراً، له الحمد كله، وله الشكر كله، وله الفضل كله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أهل هو أن يعبد، وأهل هو أن يشكر، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع سنته، واهتدى بهداه... أما بعد:
فيا أيها المسلمون: لقد كثرت الدعايات للعمل بالربا، وتعددت مجالاته، وتنوعت أساليبه، فعلى المسلم أن يخشى الله ويتقه، ويعلم أنه موقوف بين يديه يوم القيامة، فمن معاملات الربا المحرمة اليوم وأكثرها شيوعاً:
*** القرض بفائدة، وصورة ذلك، أن يقترض شخص من آخر أو مؤسسة أو بنك مالاً على أن يرده وزيادة، فهذا هو عين الربا الذي أجمعت الأمة على تحريمه، وجاءت النصوص الشرعية بمنعه والتحذير منه قال - تعالى -: " وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ".