وقد دلَّت الأحاديث الصحيحة على هذا بقول النبي : ((لا تبيعوا الدينارَ بالدينارينِ، ولا الدِّرهمَ بالدرهمينِ))، [رواه مسلم 1585].
وقال : ((الذَّهبُ بالذَّهبِ والفضَّةُ بالفضَّةِ والبُرُّ بالبُرِّ والشَّعيرُ بالشَّعيرِ والتَّمرُ بالتَّمرِ والمِلحُ بالملحِ مثلاً بمثل يداً بِيَدْ فمَن زادَ أو اسْتزادَ فقد أبَى الآخذ والمعطي فيهِ سوَاء)). [رواه مسلم 1584].
وعن عبادة بن الصامت t قال: قال رسول الله : ((الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبرُّ بالبرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتمرُ بالتمرِ والملحُ بالملحِ مثلاً بمثل وسواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذهِ الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم إذا كان يداً بيد)) [رواه مسلم 1587].
وعن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر بُرْنِيٍّ (تمر جيِّد)، فقال له رسول الله:
((من أين هَذا؟ فقال بلال: تمر كان عندي رديء بعت منه صاعين بصاعٍ لمطعَم النَّبي فقال رسول الله عند ذلك: أوّه عينُ الرِّبَا لا تفعلْ ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ فبِعْهُ ببيعٍ آخرَ ثمَّ اشترِ بِهِ)). [رواه البخاري ومسلم].
من هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها نعلم: بأنه يحرم بيع الذهب بالذهب مع الزياد، ويجوز بيع الذهب بالفضة، ولو زاد أحدهما على الآخر، وكذلك التمر بالبر لكن بشرط التقابض في مكان البيع قبل التَّفرق.
أيُّها المسلمُون:
يحرم على المرء أن يقترض مبلغاً من المال على أن يردَّ أكثر منه، سواء كان من بنك أو غيره، فالقرض عقد إرفاقٍ وإحسان، واشتراط ردِّ زيادة عليه ربا محرم، واستغلال سيئ، وكل قرضٍ جرَّ نفعاً فهوَ رِبَا.
هذا ومن أغلظ أنواع الربا ما تفعله كثيرٌ من البنوك من القرض بفائدة، وكذلك ما تعطيه لعملائها من فوائد بنكيَّة، وهي الرِّبا بعينه، فليحذر المسلم من التورُّط في معاملاتٍ مشبوهة، وليتحرَّ لقمة الحلال، لئلا ينبت جسمُه على سحتٍ فيكون خاسراً، دعاؤه مردود، وإثمه مضاعف، وهذا ما يفعله بعض الناس اليوم عياذا بالله، وصدق رسول الله حين قال: ((ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ لا يبالِي المرءُ بما أُخذَ المالُ أمِن الحلالِ أم منَ الحرَام)). [رواه البخاري مع الفتح 4/313].
فيَا أيُّها العُقَلاء:
لا تغرنَّكم الحياة الدنيا، ولا يحملنكم طلب المال على ارتكاب الحرام، فلا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.
أيُّها المسلم:
دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك، واسأل عمَّا أشكل عليك، وإياك أن تأخذ الربا، أو تشهد عليه، أو تعين على ذلك بأي وجهٍ من الوجوه، وتذكر بأن المال الحلال ليس لبركته حدٌّ ولا نهاية، أما أموال الربا والمعاملات المحرمة فهي سحتٌ ومحق، وحسرةٌ وندامةٌ، وخزيٌ يوم القيامة، وصدق الله ((يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وبسنة إمام المتقين، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات، من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله- صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ مما يُعلم بالضَّرورة أنَّ الإسلام لا يحرِّم شيئاً إلا لحِكَمٍ عظيمة، أو منافع تعود على العباد، ولهذا حرم الله الربا، لما يفضي إليه من انقطاع المعروف بين الناس، من القرض الحسن، ولما يؤدي إليه ممن أخذ أموال الناس بغير عوض، وتعطيل الطاقات البشرية، لتحلَّ البطالة محل العمل والإنتاج.
كما أن الربا يزرع الأحقاد في القلوب، وينزع منها الرحمة، وبذلك تموت الأخوَّة، ويتفكَّك المجتمع، وإلى غير ذلك من الحكم التي اختص بها العليم الحكيم.
ألا فسحقاً للمُرابي فهو مطرودٌ من رحمة الله، محاربٌ لله، مقرونٌ بين معصيته وهي الربا مع الزِّنى، لتشابههما في الآثار السيئة على المجتمع.