وفي رواية لعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال : " نهى رسول الله r عن سلف وبيع، وعن بيعتين في بيعة ، وعن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن" (3)
المطلب الثاني: الدراسة اللغوية:
* البيعة (لغة)(4):
الصَّفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة، وقد تبايعوا على كذا.
والمراد بالبيعة أيضاً: العقد و"في" إما للظرفية أو السببية، بيعتين : عقدين، والبَيِّعان: البائع والمشتري.
* البيع (شرعاً):
عقد معاوضة مالية تفيد مِلك عين على التأبيد، أو مبادلة المال المُتقوَّم بالمال المتقوم تمليكا وتملُّكا(5). و أضاف بعض الفقهاء الحنفية شرط التراضي، فقالوا " مبادلة المال بالمال بالتراضي"(6)
و قيد التراضي يلغي كذا نوع من العقود لافتقارها للرضا كالبيع بالإكراه.
و البيوع إما أن تكون بمبادلة النقود بسلعة، أو بمبادلة سلعة بسلعة أو بمبادلة نقد بنقد،وعناصر البيع أربعة: العاقدان (البائع والمشتري)، و صيغة العقد (القبول و الإيجاب)، و السلعة، والثمن.
ويتم البيع بواحد من الأشكال الآتية:
1. بالأفعال: بأن تكون السلعة مسعرة أو معروفة الثمن فيأخذ المشتري السلعة و يدفع ثمنها (المعلن عنه) للبائع دونما كلام.
2. بالأقوال: فيتساوم المشتري مع البائع على الثمن غير المعلن، و في حال الاتفاق يؤدي المشتري الثمن المتفق عليه للبائع.
3. بالأفعال والأقوال: و تجمع النوعين السابقين.
المبحث الثاني : فقه الأحاديث الواردة في النهي عن بيعتين في بيعة:
المطلب الأول: الإطار العام للفقه الاقتصادي
نظمت الشريعة الإسلامية المعاملات الاقتصادية بفقه خاص عُرف بفقه المعاملات فالمسلم يلتزم بالمأمورات الشرعية و ينتهِ بالمحظورات الشرعية، و كما أرادها الشارع لا كما حبذها المسلم أو فهمها، و ميز علماؤنا بين العبادات و العادات، فبينوا أن العبادات منصوص عليها بأمر الشارع و لا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى و بينته سنة النبي r ، أما العادات فقد ظهرت تلبية لحاجات دنيوية الأصل فيها عدم الحظر و المحظور منها ما حظره الله تعالى و بينته سنة النبي r. و ليس المقصود من هذا أبداً التضييق على الناس و إنما إيجاد إطار اقتصادي إسلامي للعلاقات يكون ضابطاً للناس و مانعاً لهم من الانزلاق في المحظورات. و من أهم أركان هذا الإطار :
1. منع بعض عمليات الاتجار أو الاستصناع المرتبطة بسلع ضارة: فبالرغم من أن الإسلام دين يحض على العمل إلا أنه قد منع العمليات المرتبطة بسلع ضارة و فاسدة و مفسدة، فمنع حيازتها و تجارتها و استصناعها كالخمرة و لحم الخنزير.
2. منع كل العمليات المشوهة لأصلها: فالغش أو الكذب سبب هام للخلاف، و لما فيهما من إضاعة للحقوق. فكان الإسلام واضحاً و رادعاً في ذلك فمن غش ليس منا، سواءاً كان الغش للمسلمين أو لسواهم.
3. منع بعض المعاملات: و قد اجتهد علماؤنا في بيان موقف الإسلام من معاملات يشوبها الغرر والربا، و ميزوا بين الضرر الذي لا يمكن الاحتراز عنه و الغرر الذي يمكن الاحتراز عنه، و ذلك بهدف منع الظلم في المعاملات بين الناس. و كذلك الأمر بالنسبة للاحتكار و ما فيه من استغلال لحاجات الناس و خاصة إذا كان متعلقاً بالأقوات.
4. وضع ضوابط للمعاملات: فقد بين الفقهاء مجموعة من الضوابط كتحقيق العدل لضمان مشروعية المعاملة، فالمضاربة مثلاً و على النحو الذي شُرعت به تضمن تحقيق العدل بين الأطراف المشتركة فيها ( العمل و رأس المال) فليس لهما ضمان دخل دون النظر إلى نتيجة المشروع، والمتفق عليه شرعاً أن المضاربة تصبح باطلة إذا ما جعل صاحب العمل أو صاحب رأس المال لنفسه مبلغاً معيناً معلوماً.
المطلب الثاني: مذاهب الفقهاء في حكم الحديث: اختلف العلماء في حكمه:-
فقال الشافعي إن " بيعتين في بيعة" له تأويلان :(7)