سيقول قائل:ذاك مجتمع كان فيه محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه،محفوظ وعين الله ترعاه،صحيح، ولكن الله سيحفظنا إذا اقتدينا بهم بقدر ما نستطيع ،نحن فقط نسمي أولادنا وبناتنا بأسمائهم ويحاول بعضنا محاكاتهم في لباسهم ومظهرهم دون ملامسة جوهر مجتمعهم السليم من داء الإيدز الاجتماعي،ولأن مجتمعهم سليم من هذا الوباء فقد تحققت العدالة الاجتماعية وغاب عنهم شبح الاستبداد وتبعاته الكريهة.
وحتى بعد هذا بسنين حين امتشقت السيوف ووقعت الفتنة،لم يكن التشخيص هو الإصابة بالإيدز الاجتماعي ،بل ربما تكون تلك حالة من الحمى الشديدة أصابت الأمة،فملك الروم خاطب معاوية بن أبي سفيان قائلا:" من ملك الروم الي معاوية :لقد غاضني خصام هذا الرجل لك (يقصد علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه)ومنافسته لك على الملك وبحق تجاور بلدي لبلدك. فقد كتبت إليك إعلانا عن استعدادي أن حارب معك وان أكون جنديا لك أنا وجميع جنود الروم كلهم تحت أمرك فأمر بنا بأمرك لكي نقاتل معك عدوك . والسلام" فرد معاوية على ملك الروم :" من معاوية إلى (...) الروم:لا يغرنك ما حدث بيني وبين ابن عمي ولن يجعلني الخلاف معه استعين بك عليه.فو الله لئن تحركت من مكانك لأسلمن هذا الأمر له ولأكونن جنديا عنده ثم نقاتلكم قتال عاد وثمود، قتالا لا طاقة لكم به فالحذر الحذر" ،ولو جرب ملك الروم الحديث مع علي بن أبي طالب لوجد ذات الجواب وأقسى وأشد:،أولئك أناس عافاهم الله مما أصبنا به بعد 14 قرنا وهو داء الإيدز الاجتماعي،فقد كان ما يعرف بلغة اليوم بـ "الأمن القومي" أو "المصلحة الوطنية العليا" كما رأينا فوق كل خلاف سياسي أو شخصي أو قبلي أو خلافه مهما بلغ من شدة و اقتتال.
سلامة السلف من الإيدز الاجتماعي جعلت مجموعة منهم تموت عطشا لأن كل فرد حريص على سد رمق أخيه قبل نفسه،وجعلت منهم سادة في الحرب والسلم والعلم والأدب،حملوا سيوفهم فانتصروا على أعدائهم ،وحملوا أقلامهم فأبدعوا وبهروا الدنيا بمعارفهم،جابوا البحار تجارا فاعتنق من خالطهم دينهم،ولأنهم بشر فقد اختلفوا وأحيانا اقتتلوا لكن لم يخطر ببالهم تهديد أمن أمتهم والتآمر مع الأغيار ،وتقبل كل ما هو من الخارج بلا تمحيص أو رفضه بغباوة وجهالة لمجرد الشك،ربما أصاب مجتمعهم الحمى أو شلل بعض الأطراف أو بعض السرطانات المحدودة هنا وهناك ولكن الإيدز الاجتماعي ظل بعيدا عنهم!
لكننا اليوم نتشدق بالأمن القومي والمصالح العليا والمصير المشترك وعوامل الوحدة الأكثر من عوامل الفرقة ،ثم تجدنا في تناقض رهيب نقتل وبلا رحمة كل هذه المعاني وبلا تردد،أيا كان من يتآمر أو يخطط أو يحمل مشاريعا أو له أطماع فإنه سيلاقي عندنا من يرحب به ويتعاون معه ويساعده بل يكون متحمسا أكثر منه،وقد يحدث صراع بيننا أينا يكسب وده وثقته...أليس هذا من أعراض الإيدز الاجتماعي؟!!
(3)
إسرائيل تعتبر أمنها في سلم أولوياتها وصلب اهتماماتها ،ولا تخطو أي خطوة تشك ولو لحظة أنها قد تضر بأمنها يوما ما،وحين أذكر إسرائيل تحديدا فلأننا نتفق أنها فسيفساء اجتماعي،ولكن هذا الفسيفساء بيمينه ويساره ووسطه يتوحد ويتفق ضد كل من يمس بأمنه،أما الولايات المتحدة فهي بتشكيلتها الفسيفسائية المعروفة دائما ما تفرز ساسة وخبراء يسعون للحفاظ على تفوق كيانهم وإبقائه على رأس الأمم في الأرض،ثم نأتي ونتشدق بأن مجتمعاتنا ليست فسيفساء بل هي "قطعة واحدة" ،وننسى أن هذه القطعة يفتك بها الإيدز الاجتماعي وليته حولها لفسيفساء متناسقة بل تشظت وتبعثرت وتحولت إلى صورة شوهاء قبيحة!
(4)
السؤال الجاهز الآن هو كيف نشفى أو "نخترع" لقاحا مضادا للإيدز الاجتماعي؟من وجهة نظري ليس هذا المهم الآن ولكن المهم أن نقتنع أننا فعلا مصابون بهذا الداء ،بشجاعة وبلا محاولة للتبرم والهروب بتوجيه اللوم للآخرين فقط ،ثم –وهذا أهم- أن نجمِع على أن هذا الداء هو سبب نجاح أي مشروع أو خطة تستهدفنا وبنسبة كبيرة،وبأنه ما لم نبرأ منه فلا نلومن إلا أنفسنا وسنكون عرضة لأنواع أخرى من الإيدز مثل الإيدز السياسي والتربوي العلمي والثقافي والاقتصادي... ،وفي حال برأ مجتمعنا منه فكل خطط وبرامج ومشاريع ومؤامرات دهاة ودهاقنة السياسة والمال في العالم لن يكتب لها النجاح بالمفهوم الاستراتيجي،اللهم إلا برهة من الزمن على نطاق ضيق من الجغرافيا...فهل هذه القناعة متوفرة وهل ذاك الإجماع ممكن؟!