قال أبو عوسجة: ﴿ طائركم عند الله ﴾ يقول: الله أعلم بطائركم وما تطيرتم به.
وقال القتبي: ﴿ طائركم عند الله ﴾ أي: ليس ذلك بي وإنما هو من الله، وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾: قال بعضهم: الرهط: إنما يقال من ثلاثة إلى تسعة، وإذا نقص عن ذلك أو زاد يقال: رجال.
وقال أبو عوسجة: الرهط: النفر، وأراهط ورهوط جمع.
ثم يحتمل الرهط وجهين:
أحدهما: ﴿ تسعة رهط ﴾ أي: تسعة نفر من الأتباع وغيره يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
والثاني: تسعة رهط لا تسعة نفر من الرؤساء، ولكل أحد منهم رهط من الأتباع يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
جائز أن هذا إخبار من الله أنهم يفسدون أبدا في الأرض ولا يؤمنون أبدا.
وجائز أن يكون إخبارا عن حالهم، أي: يعملون الفساد والمعاصي ولا يصلحون، أي: لا يسعون بالصلاح.
وقال ابن عباس: إن هؤلاء التسعة كانوا من أبناء أشرافهم، وكانوا بالحجر، وكانوا فساقا، فقال بعضهم لبعض: لنقتلن صالحا وأهله، ثم لنقولن لوليه - أي: لقومه من ورثته -: ما قتلناه.
وقوله: ﴿ لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ﴾: فتحالفوا على ذلك، فأتوا صالحا ليلا فدخلوا عليه بأسيافهم ليقتلوه، وعند صالح ملائكة جاءوا من الله تعالى يحرسونه، فقتلوا الرهط في دار صالح بالحجارة؛ فذلك قوله: ﴿ ومكروا مكرا ﴾: بصالح وأهله، ﴿ ومكرنا مكرا ﴾ أي: أهلكناهم، ﴿ وهم لا يشعرون ﴾: أنهم يهلكون.
وقال بعضهم: هؤلاء التسعة الرهط تواثقوا أنهم يبيتون صالحا ويقتلونه وأهله بعدما عقروا الناقة، وقالوا فيما بينهم: فإن خوصمنا في ذلك لنقولن ولنقسمن: ما شهدنا مهلك أهله، أي: ما حضرنا في هلاكهم؛ على هذا التأويل يكون على التقديم والتأخير.
وقال بعضهم: هؤلاء التسعة كانوا شرار قومه، خرجوا بخمر إلى بعض المغار ليشربوها، ثم ليبيتوا على صالح وأهله، فشربوا هنالك فانهدم بهم الصخرة وعذبوا فيه؛ فذلك قوله: ﴿ ومكروا ﴾: بقتل صالح وهلاكه؛ ﴿ مكرا ومكرنا ﴾ بهم حيث أهلكناهم، ﴿ مكرا وهم لا يشعرون ﴾. والمكر: هو الأخذ بغتة.
وقوله: ﴿ ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ﴾ أي: جزيناهم جزاء مكرهم.
ثم اختلف في قراءة ﴿ لنبيتنه وأهله ثم لنقولن ﴾ بالنون؛ فذلك قول بعضهم لبعض.
وقرأه بعضهم بالتاء: ﴿ لتبيتنه وأهله ثم لتقولن ﴾؛ فذلك قول الرؤساء للأتباع.
ومن قرأ بالياء يجعله خبرا عن الله تعالى لهم.
وقوله: ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ أي: لم نسكن فيها أحدا، ولكن تركناها خالية كذلك.
وقال بعضهم: ﴿ خاوية ﴾ أي: خربة بما ظلموا كقوله:
وهي خاوية على عروشها
[البقرة: 259] أي: ساقطة خربة، وقد كان ذلك كله: منها ما جعل لغيرهم مسكنا إذا أهلكهم من نحو ما أورث بني إسرائيل ديار القبط وأموالهم، وأنزلهم فيها، ومنها: ما تركها كذلك خالية بعد ما أهلك أهلها وخربها وتركها كذلك.
وقوله: ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ أي: في هلاك من ذكر لآية ولعبرة يعتبرون.
﴿ وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ مخالفة الله، ومخالفة أمره ونهيه.