تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندي اثني عشر وجها من وجوه العذر. كل واحد منها مستقل بأن يكون جوابا عن هذا السؤال: فالأول: أنه يقول: يا إله الخلق خلقت الكفر في، فكيف لا أكون كافرا. مع أني لا أقدر على دفع فعلك؟ الثاني: أردت الكفر، وأنا لا أقدر على دفع إرادتك. والثالث: علمت الكفر مني - وعند المجبرة: أن خلاف المعلوم ممتنع الوقوع. والرابع: أجبرت على وقوع الكفر - عند المجبرة، خلاف خبر اللَّه ممتنع الوقوع - والخامس: إنك خلقت في قدرة لا تصلح إلا للكفر، ومع حصول تلك القدرة يكون الكفر واجب الحصول. والسادس: إنك خلقت في إرادة جازمة مقتضية لحصول الكفر، ومع حصول تلك الإرادة يكون الكفر واجب الحصول.

وأيضا: فكما حصلت هذه الأسباب الستة في جانب حصول الكفر، فهي بأسرها مفقودة في جانب الإيمان. مع أنه يمتنع حصول الإيمان إلا عند حصول مجموعها. فثبت: أنه حصل لعدم الإيمان اثني عشر سببا. كل واحد منها مستقل بعدم الإيمان. فكيف يليق بالحكيم أن يقول مع هذه الموانع القاهرة: وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا (1)؟ أو يقول: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (2) اللَّهم إلا إذا قاله على سبيل الهزل. إلا أن على هذا التقدير يصير القرآن كتاب الهزل والسخرية.

وثانيها: قوله تعالى: وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى (3)؟ وهو إنكار بلفظ الاستفهام (4). ومعلوم: أن رجلا لو جلس في موضع، بحيث لا يمكنه الخروج، وقال له مولاه:

ما منعك عن التصرف في حوائجي، كان ذلك الكلام عبثا. وأيضا: المجبرة يقولون: إن الختم والطبع والقسوة والغشاوة والوقر والصّم والبكم والعمى والسد والإغواء والإضلال والإرانة والصرف والمكر والاستدراج والخداع (5). وكل واحد من هذه الأمور الستة عشر: سببه

(1) سورة النساء الآية (39).

(2) سورة البقرة الآية (28).

(3) سورة الكهف الآية (55).

(4) انظر البحر المحيط (139) / (6).

(5) الختم كقوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ.

والطبع كقوله تعالى وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ.

والقسوة كقوله عزّ وجلّ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ..

والغشاوة كقوله سبحانه خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ.

والوقر كقوله عزّ وجلّ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً. والصم والبكم والعمى كقوله تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.

والسد كقوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.

والإغواء كقوله عزّ وجلّ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ.

والإضلال كقوله سبحانه فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ والإرانة من الران قال تعالى كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ والصّرف كقوله جل وعلا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. والمكر كقوله تعالى أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ والاستدراج كما قال عزّ وجلّ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ والخداع كقوله سبحانه إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ. قلت ومن الموانع التي لم يذكرها الرازي رحمه اللَّه وهي أيضا مما يتعلق بالقلوب:

القفل قال تعالى أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها.

والأكنة وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً.

الغفلة قال عزّ وجلّ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا.

المرض قال سبحانه فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً.

الزيغ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.

عدم الفقه أو العقل لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها.

الريبة: قال تعالى وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.

اللهو: قال عزّ وجلّ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ.

الغمرة: قال سبحانه بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا.

القضاء والقدر · الصفحة ٢٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٧٩