تخطَّ إلى المحتوى

الباب الخامس في حكاية الشبه العقلية التي عليها تعويل المعتزلة

الفصل الأول في حكاية قول من يقول العلم ضروري حاصل بكون العبد موجدا

- قد نقلنا في أول المسألة: أن «أبا الحسين» يدعي العلم الضروري بأن العبد موجد لأفعال نفسه - واحتجوا على أن العلم الضروري حاصل بذلك بوجوه ثلاثة:

الأول: إن كل عاقل يعلم من نفسه: أن وقوع تصرفاته موقوف على دواعيه ولو لا دواعيه لما وقع شيء منها. فمتى اشتد به الجوع، وكان تناول الطعام ممكنا، فإنه يصدر منه تناول الطعام. ومتى اعتقد أن في الطعام سما، ينصرف عنه. وكذلك يعلم من غيره من العقلاء، الذي أحوالهم سليمة: أنه يجب وقوع أفعالهم بحسب دواعيهم. فإن الولد العاقل السليم إذا علم ما له من المنفعة في شرب الماء، حال شدة عطشه، ولم يمنعه منه مانع، فإنه يصدر منه الشرب، لا محالة. ومتى علم ما له من المضرة في دخول النار، فإنه لا يدخل فيها. وإذا كان معنى الموجد للشيء: هو الذي يحدث منه الفعل، موافقا لدواعيه، ثبت أن العقلاء قد يعرفون ببدائه عقولهم كون العبد كذلك. علمنا: أن علمهم بكون العبيد محدثين لتصرفاتهم؛ علم

الوجه الثاني في تقرير ذلك: أن العقلاء يعلمون بالضرورة: حسن ذم من أساء إليهم، ومدح المحسن إليهم. ويعلمون بالضرورة: قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا، وكون السماء فوقه والأرض تحته. ولو لا علمهم الضروري بكون العبد محدثا لأفعاله، لما علموا بالضرورة حسن مدحه وذمه على أفعاله، وقبح مدحه وذمه على ما لا يكون واقعا به. لأن العلم بحسن المدح والذم لما كان فرعا على العلم بحدوث ذلك منهم - والعلم بالفرع إذا كان ضروريا، كان العلم بالأصل أولى أن يكون ضروريا - لزم القطع بأن علم العقلاء بكونهم محدثين لتصرفاتهم: علم ضروري بديهي. ولأجل ظهور هذا العلم عند العقلاء، حصل هذا العلم للمراهقين. فإن الإنسان إذا رمى المراهق بآجرة، فإنه يذم الرامي ولا يذم تلك الآجرة.

ولو لا أنه عالم بالضرورة: بأن الرامي فاعل، وأن الآجرة ما فعلت شيئا، وإلا لما فرق بينهما من الوجه المذكور.

الثالث: إن الواحد منا يجب من نفسه - ومن غيره - إذا طلب فعلا من غيره، أنه يطلب منه طلب عالم بأنه هو الذي يحدث ذلك الفعل. ولذلك فإنه يتلطف في استدعائه ذلك الفعل

القضاء والقدر · الصفحة ٢٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.