تخطَّ إلى المحتوى

المقدمة في بيان تفاصيل مذاهب الناس في هذا الباب

اعلم: أنا نعلم بالضرورة: أن القادر على الفعل إذا دعاه الداعي إليه، ولم يمنعه منه مانع. فإنه يحصل ذلك الفعل. وهذا القدر معلوم.

ثم اختلف العقلاء بعد ذلك على أقوال:

القول الأول: إن المؤثر في حصول هذا الفعل، هو قدرة اللَّه تعالى، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر. وهذا قول «أبي الحسن الأشعري (1) وأكثر أتباعه. كالقاضي «أبي بكر الباقلاني (2) و «ابن فورك» (3) ثم حصل هاهنا بين «الأشعري» وبين «القاضي» اختلاف من وجه آخر. فقال

الأشعري: قدرة العبد كما لم تؤثر في وجود الفعل ألبتة، لم تؤثر أيضا في شيء من صفات ذلك الفعل (4) وقال القاضي: «قدرة العبد وإن لم تؤثر في وجود ذلك الفعل، إلا أنها أثرت في صفة من صفات ذلك الفعل، وتلك الصفة هي المسماة بالكسب» قال: «وذلك لأن الحركة التي هي [طاعة والحركة التي هي] معصية قد اشتركا في كون كل منهما حركة، وامتازت

(1) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، إمام أهل السنة في العقائد. ولد بالبصرة سنة (260) (وقيل (270) ه‍) وسكن بغداد إلى أن توفي بها سنة (330) ه‍ (وقيل (324) ه‍). درس على شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي فترة ثم تحول عن مذهب الاعتزال وتبرأ منه أمام الناس في المسجد، وصار إلى كلام أهل السنة مختطا لنفسه طريقا ومنهجا في العقائد والحجاج تبعه فيه الكثير من العلماء حتى أيامنا هذه. وصار يطلق على مذهبهم «الأشاعرة أو الأشعرية». كتب أبو الحسن الأشعري وألف الكثير في العقائد والمقالات والردود منها: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، والإبانة عن أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، وغيرها. انظر ترجمته ومذهبه في: الفهرست لابن النديم ص (231)، طبقات السبكي (245) / (2)؛ وفيات الأعيان (412) / (1)؛ النجوم الزاهرة (259) / (3)؛ شذرات الذهب (303) / (2)؛ مفتاح السعادة (134) / (2)؛ تاريخ بغداد (146) / (11)؛ مقدمة الإبانة للدكتورة فوقية حسين محمود؛ معجم المؤلفين (35) / (7)؛ مذاهب الإسلاميين للدكتور بدوي (487) / (1)؛ في علم الكلام للدكتور أحمد صبحي (43) / (2)؛ تاريخ الأدب العربي (38) / (4)؛ تاريخ التراث العربي لسزكين (373) / (2)؛ نشأة الأشعرية وتطورها للدكتور جلال موسى، دائرة المعارف الإسلامية (الطبعة العربية) (218) / (2)؛ تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري للحافظ ابن عساكر. والأشعري للدكتور غرابة وغيرها.

(2) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني. أصله من البصرة وعاش في بغداد إلى أن توفي بها سنة (403) ه‍. استدعاه عضد الدولة إلى بلاطه في شيراز ليناقش كبير المعتزلة ويقال إنه أرسله سفيرا إلى ملك الروم. يعد الباقلاني من كبار متكلمي المذهب الأشعري والمنتصرين له. له من المؤلفات: إعجاز القرآن، والتمهيد في الرد على الملحدة والرافضة والخوارج والمعتزلة، والانتصار لنقل القرآن، والإنصاف وغيرها. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (379) / (5)، وفيات الأعيان (609) / (1)، تبيين كذب المفتري (217)، النجوم الزاهرة (234) / (4)، تذكرة الحفاظ (263) / (3)؛ شذرات الذهب (169) / (3)، مرآة الجنان (6) / (3)، الأعلام (46) / (7)، هدية العارفين (59) / (2)، معجم المؤلفين (109) / (10)، مذاهب الإسلاميين (569) / (1)؛ في علم الكلام (89) / (2)، نشأة الأشعرية (317) - (367)، تاريخ التراث العربي (384) / (2)، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (50) / (4) - (52)، دائرة المعارف الإسلامية (294) / (3).

(3) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني الشافعي المتكلم الأشعري وضابط مذهبه وكان فقيها وأصوليا. درس مذهب الأشعرية على أبي الحسن الباهلي ثم رحل إلى الري ونيسابور. توفي سنة (406) ه‍. قيل إنه ألف أكثر من مائة كتاب .. من مؤلفاته: دقائق الأسرار، بيان مشكل الحديث، مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري، النظامي في أصول الدين، الحدود في الأصول. وغيرها. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (610) / (1)، الوافي بالوفيات (344) / (2)، النجوم الزاهرة (240) / (4)، شذرات الذهب (181) / (3) - (183)، طبقات السبكي (52) / (3) - (56)، الأعلام (313) / (6)، معجم المؤلفين (208) / (9)، تاريخ التراث العربي (387) / (2) - (390)، تبيين كذب المفتري (232) - (233).

(4) يقول ابن فورك في «مجرد مقالات الأشعري»: يقول (الأشعري): «إن كسب العبد فعل اللَّه تعالى ومفعوله وخلقه ومخلوقه وإحداثه ومحدثه وكسب العبد ومكتسبه ... وكان يذهب - أي الأشعري - في تحقيق معنى الكسب والعبارة عنه إلى أنه هو: ما وقع بقدرة محدثة. وكان لا يعدل عن هذه العبارة في كتبه ولا يختار غيرها من العبارات عن ذلك. وكان يقول إن عين الكسب وقع على الحقيقة بقدرة محدثة ووقع على الحقيقة بقدرة قديمة ... وكان يقول: إن ما استحق هذه العين المكتسبة من وصف الاكتساب فلأجل تعلق القدرة المحدثة بها. واختلف جوابه في أن العين المكتسبة صارت مكتسبة بتعلق القدرة المحدثة فقط أم باقتران أوصاف أخر إليها. فدار أكثر كلامه على أن التأثير في ذلك للقدرة المحدثة .. » (ص (91) - (93)).

وينقل الشهرستاني في «الملل والنحل» عنه أنه على أصله لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض» ((97) / (1)).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.