الوعد والوعيد للجمادات؟ وكما أن صريح لفظ القرآن يشهد بأن كل ذلك سفه وعبث، فكذلك صريح العقل يشهد بأن أمر العبد ونهيه - مع أنه لا قدرة له على
الفعل والترك - عبث وسفه.
والجواب: إنا بينا في باب الجواب عن شبههم العقلية: إن تكليف ما لا يطاق، لازم على المعتزلة من اثني عشر وجها، فلا فائدة في إعادتها في هذا المقام وباللَّه التوفيق.
الوجه الثالث من استدلالات القوم: الآيات الدالة على أنه لا مانع لهم من الإيمان والطاعة، ولا مجبر لهم على الكفر والمعصية. ولنذكر من هذا الجنس آيات:
أحدها: قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ (1)؟ قالوا: هذه الآية دالة على أن الكفر من قبل العبد. وبيانه من وجوه: الأول: لو كان تعالى قد خلق الكفر فيهم، لما جاز أن يقول:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ على سبيل التوبيخ، كما لا يجوز أن يقول: كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون؟ الثاني: إن كان خلقهم أولا للشقاء وللنار، أو ما أراد بخلقهم إلا الكفر والوقوع في النار فكيف يصح أن يقول موبخا لهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ؟ الثالث: كيف يليق بالحكيم أن يقول: كَيْفَ تَكْفُرُونَ حال ما يخلق الكفر فيهم؟ الرابع: إنه تعالى إذا قال للكفار: كَيْفَ تَكْفُرُونَ فهل ذكر هذا الكلام توجيها للحجة على العبد، وطلبا للجواب منه، أو ذكره على سبيل الهزل والبعث؟ والثاني لا يقول به مسلم. فبقي الأول: فنقول: لو كان موجد الكفر هو اللَّه تعالى، لكان للكافر أن يقول:
(1) سورة البقرة الآية (28).