وهو جميع الأدلة الدالة على أنه تعالى لم يكلف فوق الوسع والطاقة (1). قالوا: لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه، لكان تكليفه بالفعل تكليفا بما لا يطاق، وهذا باطل، فذاك باطل.
بيان الملازمة: إنه إذا كان فعل العبد واقعا بتكوين اللَّه. فإن خلق ذلك الفعل لم يقدر على تحصيله لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم يخلقه لم يقدر العبد أيضا على تحصيله. لأن قدرته غير
صالحة للتحصيل فثبت: أن العبد لو لم يكن موجدا لأفعال نفسه، لكان تكليفه تكليفا بما لا يطاق. وإنما قلنا: إن ذلك باطل. لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها (2) ولقوله تعالى: وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (3) ومعلوم: أن تكليف ما لا يطاق أعظم أنواع العسر ولقوله:
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4) ولا حرج فوق أن يكون الإنسان مكلفا بما لا طاقة له به. والجواب: إنا بينا أن تكليف ما لا يطاق لازم على المعتزلة من الوجوه الاثني عشر التي ذكرناها وقررناها. فلا فائدة في الإعادة. وإذا كان كذلك فتحمل هذه الآيات على عدم الظاهرية.
النوع السادس من وجوه القوم
(1) اختلف العلماء في جواز تكليف ما لا يطاق أو التكليف بالمحال على عدة أقوال:
الأول: يجوز تكليف ما لا يطاق أو التكليف بالمحال لذاته أو لغيره وهو قول الأشعرية واضطربت الرواية عن الأشعري في وقوع ذلك وقال الجويني: «هذا سوء معرفة بمذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة» (البرهان (103) / (1)).
الثاني: يجوز التكليف بالمحال إلا أنه غير واقع شرعا. وبه قال الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول (ص (143)).
الثالث: يجوز التكليف بالمحال لغيره ولا يجوز التكليف بالمحال لذاته. وهو قول معتزلة بغداد والآمدي والغزالي (قال الآمدي: وإليه ميل الغزالي رحمه اللَّه تعالى) وابن القشيري وأبي بكر الصيرفي.
الرابع: لا يجوز التكليف بالمحال الذي ليس ممتنعا لتعلق العلم بعدم وقوعه. وبه قال أكثر المعتزلة وأبو حامد الأسفراييني والغزالي وابن دقيق العيد والحنفية.
الخامس: ميز إمام الحرمين بين الطلب والورود فمنع كون المحال مطلوبا وأجاز ورود صيغة الطلب بالتكليف بالمحال. قال: إن أريد بالتكليف طلب الفعل فهو فيما لا يطاق محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب. وإن أريد به ورود الصيغة وليس المراد به طلبا كقوله سبحانه كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فهذا غير ممتنع» (البرهان (104) / (1)).
راجع المسألة في كتب الأصول - أصول الدين وأصول الفقه -: مجرد مقالات الأشعري ((110) - (124))؛ أصول الدين للبغدادي ((212) - (213))؛ المواقف للإيجي ((330) - (331))، البرهان للجويني ((101) / (1) - (105))؛ الإرشاد للجويني ((203) - (204))؛ المحصول للرازي (302) / (1) - (316)؛ التحصيل من المحصول للأرموي (316) / (1) - (321))؛ شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص (143))؛ معالم أصول الدين للرازي (ص (91)). محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ((153))؛ المطالب العالية له أيضا ((305) / (3) - (315)). المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى ((146) - (147))؛ الابهاج شرح المنهاج للسبكي ((171) / (1) - (176))؛ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ((179) / (1)
(191))؛ نهاية السئول للأسنوي ((345) / (1) - (352))؛ حاشية البناني ((206) / (1) - (210))؛ المعتمد لأبي الحسن البصري ((164) / (1) - (165))؛ أصول السرخسي ((65) / (1) - (73))؛ كشف الأسرار شرح أصول البزدوي للبخاري ((191) / (1))؛ تيسر التحرير لمحمد آمين ((137) / (2) - (141))؛ التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ((82) / (2) - (87))؛ التلويح على التوضيح لصدر الشريعة ((197) / (1) - (201))؛ كشف الأسرار شرح المنار للنسفي ((98) / (1) - (99))؛ فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ((123) / (1) - (128))؛ الموافقات للشاطبي ((107) / (2) - (108))؛ منتهى ابن الحاجب ((41)). روضة الناظر لابن قدامة ((52) - (54))؛ المسوّدة ((52) - (53))؛ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران ((146))؛ إرشاد الفحول للشوكاني ((9) - (10)).
(2) سورة البقرة الآية (286).
(3) سورة البقرة الآية (185).
(4) سورة الحج الآية (78).