نظير هذا قوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَرَضُوا عَنْهُ (1) فإن كونه تعالى راضيا عنهم، هو الذي أوجب صيرورتهم راضين عنه. وهذا هو الواجب، لتكون صفة الحق مؤثرة في صفة الخلق. أما لو كان كوننا راضين عنه يؤثر في كونه تعالى راضيا عنا، لكانت
صفة الخلق مؤثرة في صفة الحق. وذلك محال. ونظيره أيضا قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (2) واللَّه أعلم.
فهذا إشارة مختصرة إلى المناظرة الجارية بين الجبرية وبين القدرية. ومن وقف على ذلك أمكنه استنباط الدلائل من الجانبين، وعند هذا يصير كل القرآن صالحا لأن يتمسك به.
هذا. ولا يكاد يظهر الترجيح القاطع إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية. وقد عرفت قوة الدلائل العقلية من جانبنا. فثبت: أن قولنا هو الحق، ومذهبنا هو الصدق.
واللَّه أعلم
النوع الثالث من استدلالات المعتزلة بالقرآن
أعلم أنها كثيرة جدا. غير أنا نذكر معاقدها على سبيل الاختصار:
فالوجه الأول من استدلالاتهم بالقرآن: الألفاظ الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد وهو على طريقين:
الطريق الأول: إسناد الأفعال إلى الفاعلين. أ - قوله تعالى:
اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) فأضاف الفعل إليهم، ولم يقل: الذين خلق فيهم الإيمان، والصلاة، والإنفاق. ب - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
(1) سورة البينة الآية (8).
(2) سورة المائدة الآية (54).
(3) سورة البقرة الآية (3).