تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصف اللَّه نفسه بأنه رب العالمين، وجب أن يقال: إن كل ما أوصل اللَّه إلى الغير فإنه منفعة، وأنه تعالى إنما أوصلها إليهم لغرض الإحسان إليهم. وهذا إنما يتم على قولنا. فإنا نقول: إنه تعالى ما خلق الخلق، وما كلف أحدا إلا لغرض الإحسان إليهم. فأما على قول الجبرية، وهو أنه تعالى خلقهم للنار والعذاب الدائم، فهذا لا يكون ربا ولا مربيا ألبتة.

قال أهل السنة والجماعة: هذه الآية من أدل الدلائل على صحة قولنا. وبيانه من وجوه:

الأول: إن العالم كل موجود سوى اللَّه، فتكون أفعال العباد من جملة العالم. ولما كان ربا للعالمين، وجب أن يكون ربا لأفعال العباد والرب هو المتصرف بالشيء فيلزم كونه متصرفا في أفعال العباد، والتصرف في أفعال العباد لا يكون إلا بخلقها وتكوينها. فدلت هذه الآية على أنه تعالى خالق لأفعال العباد.

الثاني: إنه تعالى لما علم أن الكافر لا يؤمن، وأنه لا يستفيد من صيرورته مأمورا بالإيمان إلا استحقاق العذاب الدائم، فكيف يمكن أن يقال: إنه تعالى إنما كلفه لغرض الإحسان؟ ومثاله: من وقع في البئر، وعلم إنسان علما يقينا: أنه لو رمى إليه حبلا، فإنه يخنق نفسه، ثم إنه مع هذا اليقين رمى إليه حبلا، وقال: غرضي منه: أن يستعين به على الصعود من البئر.

فإن كل أحد يقول: إنك علمت أنه لا يصرف ذلك الحبل إلا إلى مضرة نفسه، فكان إلقاء الحبل إليه محض الإضرار. فكذا هاهنا.

الثالث: إن الإيمان أكثر نفعا للعبد من كل سواه، ولما كان إيمان العبد من خلقه، كان تربية العبد لنفسه أكمل من تربية اللَّه له. فوجب أن يكون كون العبد ربا ومربيا لنفسه، أكمل من كون اللَّه ربا ومربيا له. وهذا يوجب أن يصح من اللَّه التمدح بكونه ربا للعالمين.

واللَّه أعلم

الفصل السادس في قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (1)

(1) قارن تفسير الرازي (242) / (1).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٦٧