قالت المعتزلة: الدين هو الجزاء. والجزاء إنما يحسن على الفعل فإذا كان لا فعل للعبد، امتنع ترتب الجزاء عليه. فوجب أن يكون مالكا ليوم الدين.
قال أهل السنة والجماعة: كونه تعالى مالكا ليوم الدين، لا يتم إلا على قولنا. وبيانه من وجوه:
الأول: إنا نفرض رجلا استمر على كفره ثمانين سنة، ثم اتفق أن آمن، ومات عقيب إيمانه بلحظة. فهذا الرجل عصى اللَّه بالكفر في جميع عمره، ثم أتى بالإيمان لحظة واحدة، فإنه ينعزل عن الإلهية، ويصير سفيها مستحقا للذم. وعلى هذا التقدير لا يكون مالكا، بل يكون مملوكا بل يكون حاله أشد من حال مملوك لأن المملوك قد يتوقع الخلاص عن ذلّ تكليف المولى.
واللَّه تعالى لا رضاء له البتّة في الخلاص عن ذلك التكليف. فيلزم أن لا يكون تعالى مالكا ليوم الدين، بل يكون مملوكا في يوم الدين - تعالى اللَّه عنه علوا كبيرا -.
الثاني: إن كفر العبد ومعصيته متناهية. والعقل يقضي أن يكون العقاب بقدر الجرم. لا زائدا عليه. فوجب أن يكون عقاب الكفر والمعصية متناهيا فلما جعل عقاباته غير متناهية علمنا أنه لا يمكن أن يقال: أحكام أفعاله على أحكام أفعالنا في الحسن والقبح. وذلك يبطل قول المعتزلة.
الثالث: إن المحاسبة على المأكول والمشروب مستقبحة من العظماء. وجميع الدنيا بالنسبة إلى خزائن اللَّه أقل من الذرة بالنسبة إلى البحر الأعظم. فلو كانت أحكامه مثل أحكامنا، لوجب أن يقبح منه حساب العبد في الذرة واللقمة. ولما لم يقبح، علمنا: أنه لا تقاس أفعاله على أفعالنا، ولا أحكامه على أحكامنا. وذلك يبطل الاعتزال بالكلية.
الفصل السابع في قوله: إِيّاكَ نَعْبُدُ
قالت المعتزلة: هذا تصريح بكون العبد فاعلا ومستقلا بأفعال نفسه. فإنه لو كان فعل العبد قد خلقه اللَّه، لكان سعي العبد جاريا مجرى تحصيل الحاصل. وذلك محال. وحينئذ يبقى قوله: إِيّاكَ نَعْبُدُ: كذبا محضا. وأيضا: لو كانت العبادة خلقها اللَّه تعالى، لوجب أن يقول العبد: إياك نسأل منك خلق العبادة.