ذلك المحتاج إليه، جرى هذا مجرى ما إذا خرق بطن إنسان ثم يداويه. فإن ذلك لا يعد رحمة. وإن كان الثاني وهو أنه تعالى ما أحوجهم إليها، وما جعلهم مشتهين لها، راغبين في حصولها، لم يكن إيصال ذلك إليهم نفعا في حقهم. ألا ترى أن إلقاء العظم إلى الكلب إحسان إليه. لأنه يشتهي ذلك العظم. أما إلقاء قلادة من الدر إليه، فإنه لا يكون إحسانا إليه. لأنه لا يشتهي ذلك فثبت أن على القسمين لا تعقل حصول الرحمة. وهذا بخلاف الإحسان الصادر من الخلق، لأن الحاجة ما حصلت من قبل هذا المحسن، بل كانت الحاجة موجودة في ذات ذلك الشخص. فإذا سعى إنسان في دفع تلك الحاجة، كان ذلك إحسانا. أما الحق سبحانه فهو الذي أحوج إلى ذلك الشخص، فإذا أعطى المحتاج إليه، جرى ذلك مجرى ما إذا أساء ثم أحسن بقدر تلك الإساءة، ومجرى ما إذا جرح ثم عالج، فإن ذلك لا يكون إحسانا. فثبت: أن هذا الإلزام وارد عليهم
الثالث: إنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يقبل الإيمان، وأنه يقدم على الكفر والفسق، وأنه لا يستفيد من الخلق والتكليف، إلا عذاب الأبد. كان خلقه وتكليفه مع علمه بأن عاقبته تؤدي إلى هذه الحالة: سعيا في الإضرار والإيلام. وذلك لا يليق بالرحمة.
قال أهل السنة والجماعة: الرحمة والكرم إنما تتحقق على مذهبنا، لا على مذهب المعتزلة.
وذلك لأن الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض (1). وعند المعتزلة أنه تعالى لو لم يعط الثواب والعوض، فإنه يستحق الذم، فهو بإعطاء ذلك الثواب، وذلك العوض، يتخلص من الذم،
وإذا تفضل فقد اكتسب استحقاق الحمد من العبد. ولو لا ذلك التفضل، لما حصل ذلك الاستحقاق. فثبت: أنه تعالى بإعطاء تلك المنافع قد اكتسب لنفسه منفعة وعوضا. فلم يكن هذا جودا. فأما على قولنا: إنه لا يجب على اللَّه لأحد شيئا، وأنه مستحق الثناء والحمد لذاته، لا لأمر منفصل عن ذاته. لم يكن لفعل شيء من أنواع الجود والكرم، أثر في تخليته عن الذم، ولا أثر في تحصيل مزيد استحقاق الحمد. فكانت عطاياه محض الجود والكرم والرحمة. والرحيم هو الذي يرحم وليس من شروطه أن لا يفعل الرحمة. فهو تعالى رحيم لمن أراد، وقهار لمن أراد. كما أنه تعالى نافع ضار.
(1) قال ذلك أيضا في التفسير الكبير (166) / (1) وقارن أيضا لوامع البينات ص (174).