تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجنة. ومن كان عقابه وضرره أكثر من رحمته وإحسانه، لم يكن رحمانا. لأن الرحمن هو الكامل في الرحمة، والرحيم من صفة الرحمة بشرط أن لا يحصل نقيضه. قالوا: فأما على مذهبنا فإنه يتم لنا القول بأنه الرحمن الرحيم.

لأنه تعالى خلق الخلق كلهم للنفع والرحمة، وأما الذين كفروا وفسقوا فمن جهة أنفسهم.

ونقول في ذلك كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ، حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ (1) وقال:

ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ. إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ (2) وقال: قُلْ: ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي. لَوْلا

دُعاؤُكُمْ (3) فثبت: أن كونه رحمانا رحيما لا يثبت إلا على قولنا.

قال أهل السنة والجماعة: هذا الذي أوردتم علينا، وارد عليكم. وبيانه من وجوه:

الأول: عند حصول القدرة والداعية. إما أن يجب الفعل، أو لا يجب فإن وجب، لزمكم ما ألزمتموه علينا. لأنه تعالى هو الخالق لتلك القدرة ولتلك الداعية. وهما يوجبان الكفر والفسق. فكان ذلك إجبار للعبد على القبح. وأما إن قلتم: إن عند حصول القدرة والداعية لا يجب الفعل فحينئذ يكون صدور الفعل اتفاقيا، والاتفاقي لا يكون مقدورا للعبد. فيترتب أن العقاب عليه ظلم. فثبت: أن الذي أوردوه علينا وارد عليهم لا محالة.

الثاني: إن خلاف معلوم اللَّه ممتنع الوقوع. فإذا قال لمن علم أنه يموت على الكفر:

كلفتك بالإيمان. فكأنه قال له: غير علم اللَّه وإلا عاقبتك. ومعلوم أن هذا لا يليق بالرحمة ألبتة. لأن كل ما أوصل اللَّه من الرحمات إلى عباده، لا يخلو إما أن يقال: إنه تعالى أحوجهم إليها وجعلهم مشتهين لها، أو ما فعل ذلك. فإن كان الأول لم يكن ذلك رحمة. لأنه تعالى لما أحوجهم إليها، ثم أعطاهم

(1) سورة الرعد الآية (11).

(2) سورة النساء الآية (147).

(3) سورة الفرقان الآية (77).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٦٢