تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثاني: لو سلمنا أنه مشتق (1)، لكن لا نسلم أن معناه: أنه الذي يستحق العبادة. ويدل عليه وجهان:

الأول: إنه لو كان كذلك، لوجب أن لا يكون إلها للجمادات والبهائم، لأنه - تعالى - يستحق عليها العبادة، ولزم أن لا يكون إلها في الأزل لم يخلق أحدا، ولم ينعم على أحد فلم

يكن مستحقا للعبادة.

الثاني: إنا بينا: أن العقل لا يدل على حصول الاستحقاق. لأنه لا يتفاوت حال المعبود بسبب هذه العبادة - وهي شاقة على العابد - فوجب أن لا يحكم العقل بوجوبه.

إذا ثبت هذا، فنقول: الإله هو القادر على الاختراع (2). والدليل عليه: أنه تعالى إنما ظهر الامتياز بينه وبين سائر الذوات بصفته الخلاقية. فقال: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ (3)؟ ولما كان المذكور في معرض الامتياز هو هذه الصفة، علمنا: أن معنى الإلهية ليس إلا الخلاقية. فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه، لكان خالقا لها، وحينئذ يبطل الفرق بين الإله، وبين العبد في أخص أوصاف الإلهية. فكان قولنا بِسْمِ اللَّهِ دالا على أن العبد غير موجد من هذا الوجه.

الفصل الثالث في المباحث الواقعة في قولنا: الرحمن الرحيم

قالت المعتزلة: لو كان الكفر والفسق كله من اللَّه، لا من العبد، لكان المغضوب عليه من الخلق، أكثر من المرحوم. لأن أهل النار أكثر من أهل

(1) قال الرازي في «شرح أسماء اللَّه الحسنى»: اشتقاق لفظة اللَّه. القائلون بأن هذه اللفظة مشتقة ذكروا وجوها:

الأول: أنها مشتقة من أله الرجل يأله إليه إذا فزع إليه من أمر نزل به فألهه. أي أجاره وأمنه ...

الثاني: أنها من وله يوله وأصله ولاه فأبدلت الواو همزة .. والوله عبارة عن المحبة الشديدة ...

الثالث: إنه مأخوذ من لاه يلوه إذا احتجب ...

الرابع: إنه مأخوذ من لاه يلوه إذا ارتفع ...

الخامس: إنه مأخوذ من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه ...

السادس: إنه مشتق من أله الرجل يأله إذا تحيّر ...

السابع: الإله من الإلهية وهي القدرة على الاختراع ...

الثامن: إن الأصل في قولنا: اللَّه هي الهاء التي هي كناية عن الغائب .. ثم بدت فيه لام الملك ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما ...

التاسع: إنه مشتق من التأله الذي هو التعبد ... » (ص (117) - (126) باختصار).

(2) ذكر ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري أنه «اختلف وجه حكايته - أي أبي الحسن - عن أصحابنا في معنى الإله في كتاب التفسير. فقال: منهم من قال إن معناه أنه الغالب الذي ليس بمغلوب والقاهر الذي ليس بمقهور الذي لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يريد كون الشيء إلا كان كما أراد. وحكى عن بعضهم أن معنى وصفنا له بأنه إله أنه قوي. واختار من ذلك أن معنى وصفنا له بأنه إله أن له الإلهية وفسّر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض وذكر أن ذلك أسد الأقاويل المقولة في معنى الإله» (ص (47)) ثم صحح المؤلف كلام الضبي في أن مذهب أبي الحسن في تفسير الإله أنه هو المستحق للعبادة وقال عنه إنه «خطأ فاحش عليه لأنه كان يأبى قول المعتزلة أن معنى الإله أنه مستحق للعبادة» (ص (328)).

والإله - في معاجم اللغة المعبود. انظر لسان العرب (114) / (1) وما بعدها) وآيات القرآن كثير منها يقرن الألوهية بالعبودية فلتراجع ..

(3) سورة النحل الآية (17).

القضاء والقدر · الصفحة ٢٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ٢٦١