تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: قد تابع يحيى على وقفه عن عبدالحميد: روح بن عبادة عند الحاكم كما سبق، وكأن الدارقطني يرى أن هذا الوهم من يحيى القطان، وليس كذلك! وكأن عبدالحميد كان يقفه أحياناً ويرفعه أخرى إن ثبت عنه الوقف! ولم ينبه الدارقطني أيضاً إلى الاختلاف في إسناده أيضاً بذكر عبدالحميد في إسناده: "سويد بن قيس"! والصواب أن الحديث لابن شماسة.

والوهمان في هذا الإسناد من عبدالحميد بن جعفر، وهو وإن كان ثقة؛ إلا أنه له بعض الأوهام، وقد أخرج له البخاري حديثين تعليقاً: أراد بيان وهمه في أحدهما بمخالفة غيره. وروى له في المتابعات والشواهد.

قال النسائي في كتاب الضعفاء: "ليس بقوي".

وقال ابن حبان: "ربما أخطأ".

وقال الحافظ في «التقريب» (ص 333): "صدوق، رمي بالقدر، وربما وهم".

قلت: وقول ابن حجر هو أعدل الأقوال فيه بخلاف من استدرك عليه في بعض التسويدات! كما حررته - بفضل الله - في موضع آخر.

ولم يقتصر الأمر على أوهامه في حديث غير بلده، بل كان يهم إذا حدَّث هو غير أهل بلده أيضاً. وهذه المسألة مهمة جداً، ولا أدري هل تنبه لها الإمام مسلم، فأراد بيانها من خلال تخريجه لبعض حديث، أم أنه لم يتنبه فصححها!

فقد أخرج في «صحيحه» (2/ 1014) قال: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ ابنِ عُيَيْنَةَ - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)).

وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالأعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ)).

وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُالْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ: أَنَّ عِمْرَانَ بنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ سَلْمَانَ الأغَرَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)).

قلت: قدَّم الإمام مسلم الرواية المعروفة والمشهورة لهذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وقد رواه جمع عن الزهري.

وأما رواية عبدالحميد بن جعفر التي أخّرها فهي رواية غريبة، ولا تعرف في أهل المدينة! وقد تفرد بها جعفر بهذا الإسناد، ورواه عنه عبدالله بن وهب، وهو مصري.

وهذا الحديث عندي معلول؛ قد وهم فيه عبدالحميد بن جعفر، ولا يعرف هذا الإسناد لهذا الحديث، فكأنه - رحمه الله - عندما حدّث به في مصر دخل له حديث في حديث، وكأنه اشتبه عليه بحديث الأغر - الصحيح - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)).

فهذا الحديث يتكلم عن المسجد النبوي والمسجد الحرام، وذاك أيضاً، فالله أعلم.

والخلاصة أن هذا الحديث الذي أخرجه مسلم بإسناد عبدالحميد غريب جداً، ولا يحفظ عن عمران بن أبي أنس - مدني نزل مصر - عن الأغر عن أبي هريرة، وإنما المحفوظ عند المدنيين حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.

وكتب: خالد الحايك

14/ 1/2011

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٦٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٦٩٠