تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما ما لا يكون من هذا القبيل : كنظرة ، أو كلمة سفه نادرة فى خصام ، ونحو ذلك ؛ فهذا مما اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا أو سهوا ، خلافا للشيعة.

** وذهب الجبائى :

إلى أن ذلك لا يجوز إلا بطريق السهو ، أو الخطأ فى التأويل.

** وذهب النظام ، وجعفر بن مبشر :

إلى أن ذلك لا يجوز منهم إلا على طريق الغفلة ، والسهو. غير أنهم يؤاخذون بذلك وإن لم تؤاخذ أممهم به ؛ لعلو رتبتهم ، وقوة معرفتهم بالله تعالى.

وهل يجوز أن يخلع الله تعالى نبيا من نبوته. فقد اتفق أصحابنا على جوازه عقلا ، غير أن المسلمين اتفقوا على أن ذلك لم يقع. وما يروى أن بلعام بن باعور (1) كان نبيا وخلع من نبوته ، فلم يثبت ولم يصح.

كما أشار الطبرى فى تفسيره الجزء التاسع ص 76 وما بعدها ، إلى أنه كان يدعى (بلعم) بفتح الباء أو بضمها من بنى إسرائيل. وقد ذكره القرطبى فى تفسيره للآيات الكريمة من سورة الأعراف من أول قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) إلى قوله تعالى : ( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) سورة الأعراف 7 / 175 177 [تفسير القرطبى 4 / 2755 2760].

«ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها فى التوراة. واختلف فى تعيين الذي أوتى الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم من بنى إسرائيل فى زمن موسى عليه السلام وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعنى بقوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) ولم يقل آية وكان فى مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه. ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا «أن ليس للعالم صانع».

قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ؛ ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه ؛ فاتبع دينه ، وترك دين موسى ، ففيه نزلت هذه الآيات.

المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتى النبوة ؛ وكان مجاب الدعوة.

وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتى كتابا ، وقال مجاهد أنه أوتى النبوة ؛ فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردى : وهذا غير صحيح ؛ لأن الله تعالى لا يصطفى لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته.

أما الفخر الرازى فى تفسيره (15 / 57 61) فيستبعد ما نقل عن بلعام بعد نقله ويقول : «هذا بعيد لأنه تعالى قال (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ؛ فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر؟».

وأما عبد القاهر البغدادى فينفى عنه النبوة ويثبت له الكرامة فى كتابيه أصول الدين ، والفرق بين الفرق. ففى أصول الدين ص 174 ، 175 «وصاحب الكرامة لا يؤمن تبدل حاله فإن بلعم بن باعورا أوتى من هذا الباب ما لم يؤت غيره ثم ختم له بالشقاء». وفى الفرق بين الفرق ص 344 «وصاحب الكرامة لا يأمن تغير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته».

وهذا يوافق ما قاله الآمدي : «وما يروى أن بلعام بن باعور كان نبيا وخلع من نبوته ؛ فلم يثبت ولم يصح».

أبكار الأفكار في أصول الدين · الجزء ٤ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبكار الأفكار في أصول الدينج ٤ · ص ١٤٦