وأما القول بأن وجه الأعجاز فيه الصرفة (1) فهو أيضا باطل من أربعة أوجه :
** الأول :
أن إجماع المسلمين قبل وجود القائلين بهذه المقالة على أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه ، فالقول بأنه لا إعجاز فى القرآن ؛ بل الإعجاز فى الصرفة ، يكون خرقا لإجماع المسلمين قبل وجود المخالفين. وأنتم لا تقولون به.
** فلئن قلتم :
إجماع الأمة على كون القرآن معجزا : إنما كان باعتبار أنه يتعذر الإتيان بمثله ، وكون الصرفة معجزة باعتبار أنها على خلاف العادة ؛ فلا مناقضة بين كون القرآن معجزا ، وكون الصرفة معجزة بالتفسيرين المذكورين. ويكون الدال على صدق الرسول الصرفة دون القرآن.
** فنقول
: الإتيان بكلام القرآن : إما أن يكون معتادا ، أو غير معتاد ، فإن كان غير معتاد : فهو المعجز لا نفس الصرفة.
وإن كان معتادا : فيمتنع تسميته معجزا ؛ بل المعجز ما هو خارق للعادة ؛ وهو الصرفة عن المعتاد.
وقال الإمام الشهرستانى : (عن النظام) التاسعة : قوله فى إعجاز القرآن إنه من حيث : الإخبار عن الأمور الماضية والآتية ، ومن جهة الدواعى عن المعارضة ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما». (الملل والنحل 1 / 56 ، 57).. ويقول الأديب مصطفى صادق الرافعى : «النظام هو الذي بالغ فى القول بالصرفة عرفت به وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام ... والقول بالصرفة هو المذهب الفاشى من لدن قال به النظام يصوبه فيه قوم ، ويشايعه آخرون .. وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) سورة المدثر 74 / 24 وهذا زعم رده الله على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى ( أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشيء الواحد» [إعجاز القرآن والبلاغة النبوية تأليف مصطفى صادق الرافعى الطبعة الثامنة سنة 1965 المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص 162 164 بتصرف].
وقد رد الآمدي على القول بالصرفة وأبطله بأربعة أوجه كما تصدى أهل السنة للرد على القائلين بالصرفة ، ولمزيد من البحث والدراسة بالإضافة إلى ما أورده الآمدي هاهنا. انظر : إعجاز القرآن للباقلانى ت : السيد أحمد صقر دار المعارف بمصر سنة 1963 م خاصة ص 29 31 ونهاية الأقدام للشهرستانى ص 452 وما بعدها. وأصول الدين للبغدادى ص 183 ، 184 ، وشرح المواقف للجرجانى الموقف السادس ص 98 108. تحقيق ونشر الدكتور أحمد المهدى. وشرح المقاصد للتفتازانى 3 / 289 وما بعدها.
ومن الكتب الحديثة : مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى ج 2 ص 310 وما بعدها ط : دار إحياء الكتب العربية عيسى الحلبى وشركاه.