تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ـ فالأحاديث التي فَضَّلت سوى الجهاد؛ كالذكر، والنفقة على العِيال، وانتظار الصلاة بعد الصلاة لم تبلغ في عددها وصراحة دلالتها ما مضى آنفاً من نصوص.

ـ ومع ورود هذه الأحاديث فإن الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يُؤثَر عن أحدهم أنه فهم من تلك الأحاديث القليلة أنها دليلٌ على تفضيل شيءٍ على الجهاد، بل سيرتُهم جميعاً كباراً وصغاراً ونساءً أنهم كانوا يَرون شهادة المعركة أعلى الأمنيات، ولم نَسمع أن أحداً منهم اختلى في زاويةِ مسجد واعتزل الناس محتجاً بواحدٍ من تلك الأحاديث القليلة.

وأوضحُ من هذا أن الصحابة الذين وردت عنهم الروايات الي ظاهرها تفضيل شيء على الجهاد هم أنفسهم كانوا من كبار المجاهدين، كأبي هريرة، وابن عباس، وأبي الدرداء، فلم نسمعهم يَستدلون بما رووه هم من أحاديث على ترك الجهاد؛ فأبو هريرة هو هو [كان في الرباط .... فانصرف الناس ووقف أبو هريرة، فمرَّ به إنسان فقال: ما يُوْقِفك يا أبا هريرة؟! فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القَدْر عند الحجر الأسود: رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما]، وابن عباس كان مع عليٍّ في حربٍ يَرى كثير من المعاصرين أن الخوض بمثلها في زماننا فتنة مُبيرة، وقدوتهم في كلِّ هذا الرسول نفسه الذي ودَّ لو يُقْتَل مراراً ثم يُحْيا.

وحتى لو كانت أحاديث تفضيل شيء على الجهاد صريحةَ الدلالة جداً من حيث اللغةُ العربية فربما لا يكفي هذا حتى نرى كيف فهمها السلف الصالح؟ خذ قوله تعالى ﴿ومَن يَقتل مؤمناً متعمِّداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغَضب الله عليه، ولعنه، وأعدَّ له عذاباً عظيماً﴾، فمع صراحتها التامة فإن أهل السنة والجماعة لا يَرون خلود القاتل في العذاب خلوداً أبدياً لا خروج منه، بل يَعدّون من يَعتقد هذا –بعد انعقاد الإجماع- مبتدعاً ضالاً، وراجع لذلك التفاسير كابن كثير، والقرطبي، والسبب أنهم جمعوا النصوص مع بعضها ولم يَضربوها ببعضها، ولم يأخذوا طرفاً واحداً منها.

ـ والعلماء من بعد السلف الصالح أقلُّ ما يقال: إن أكثريتهم الساحقة فضَّلت الجهاد وهو فرض كفاية على جميع المندوبات، لكن تفضيلَ الذكر أو سواه من المندوبات على الجهاد لم يَعتنقه اليوم

قالوا. . فقل. . · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قالوا. . فقل. .ص ٥١