طَاعَتِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، كَمَا أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَثْعَبُ دَمًا، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ المِسْكِ. (١)
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رحمه الله: وَفِي طِيْبِ رِيْحِ خُلُوفِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللهِ عز وجل مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصِّيَامَ لَمَّا كَانَ سِرًّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِي الدُّنْيَا أَظْهَرَهُ اللهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْخَلْقِ؛ لِيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ أَهْلُ الصِّيَامِ، وَيُعْرَفُوا بِصِيَامِهِمْ بَيْنَ النَّاسَ؛ جَزَاءً لِإِخْفَائِهِمْ صِيَامَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَأَطَاعَهُ وَطَلَبَ رِضَاهُ فِي الدُّنْيَا بِعَمَلٍ، فَنَشَأَ مِنْ عَمَلِهِ آثارٌ مَكْرُوهَةٌ لِلنُّفُوسِ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ اللهِ، بَلْ هِيَ مَحْبُوبَةٌ لَهُ، وَطَيِّبَةٌ عِندَهُ؛ لِكَوْنِهَا نَشَأَتْ عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، فَإِخْبَارُهُ بِذَلِكَ لِلْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا فِيهِ تَطْيِيْبٌ لِقُلُوبِهِمْ؛ لِئَلَّا يُكْرَهَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا. ا. هـ. (٢)
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧١٧٠، و١٧٨٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ (رَقْم: ٢٨٦٣) عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، …»، فَذَكَرَ الْحَدِيْثَ، وَفِيْهِ: «وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». (٣)
(١) البخاري (رَقْم: ٢٨٠٣، و٥٥٣٣)، ومسلم (رَقْم: ١٨٧٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
• وراجع: "لطائف المعارف" (صـ: ١٦١)، و"مجالس شهر رمضان" (صـ: ٧).
(٢) "لطائف المعارف" (صـ: ١٦١، -١٦٢).
(٣) وصححه ابن خزيمة (رقم: ١٨٩٥)، وابن حبان (رقم: ٦٢٣٣)، والحاكم (رقم: ١٥٣٤)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم: ٥٥٢، و١٤٩٨)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رقم: ٢٨٥).