سَادِسًا: لَا يَلْزَمُ مَنْ نَوى اعْتِكَافَ مُدَّةٍ، كَالْعَشْرِ الأَوَاخِرِ أَنْ يُتِمَّهَا، وَلا يَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَقْضِيَهَا، وَإِنمَّا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِك.
• هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهُ بِالنِّيَّةِ، مَعَ الدُّخُولِ فِيْهِ، فَإِنْ قَطَعَهُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ!.
• وَأَغْرَبَ ابْنُ رُشْدٍ، فَعَزَا قَوْلَ مَالِكٍ إِلَى الْجُمْهُورِ! وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَاهُ: اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ!. (١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رحمه الله: وَلَمْ يَصْنَعِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ شَيْئًا، وَهَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فِيهَا سِوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
• قَالَ: وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ، فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ. ا. هـ. (٢)
• وَدَلِيْلُ الْجُمْهُورِ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْفَجْرَ نَظَرَ، فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ، فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ
(١) "شرح البخاري" (ج ٤/ صـ: ١٨٢)، و"الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٩٨)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٨١).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٧).