تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي "الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ" (صـ: ١٩١ - ٩٣) - فِي شَأْنِ وَقْعَةِ شَقْحَبَ -: وَحَصَلَ لِلنَّاسِ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَظَهَرَ فِيهَا مِنْ كَرَامَاتِ الشَّيْخ وَإجَابَة دُعَائِهِ وَعَظِيْمِ جِهَادِهِ وَقُوَّة إيمَانِهِ وَشِدَّةِ نُصْحِهِ لِلْإِسْلَامِ وَفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَنِهَايَةِ كَرَمِهِ وَغير ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَفُوقُ النَّعْتَ وَيَتَجَاوَزُ الْوَصْفَ.

وَلَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِهِ - وَقدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَكَثْرَةَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِيْنَ - قَالَ: وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْظِيم الشَّيْخ تَقِيِّ الدِّينِ وَمَحَبَّتِهِ وَسَمَاع كَلَامِهِ وَنَصِيْحَتِهِ، وَاتَّعَظُوا بِمَوَاعِظِهِ، وَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ مَسَائِلَ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَلم يبْقَ من مُلُوكِ الشَّأْمِ تُرْكِيٌّ وَلَا عَرَبِيٌّ إِلَّا وَاجْتَمَعَ بالشَّيْخِ فِي تِلْكَ الْمدَّةِ، وَاعْتَقَدَ خَيْرَهُ وَصَلَاحَهُ وَنُصْحَهُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ.

قَالَ: ثمَّ سَاقَ اللهُ سُبْحَانَهُ جَيْشَ الْإِسْلَام العَرَمْرَمَ الْمِصْرِيَّ صُحْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ وَزُعَمَاءِ الْجَيْشِ وَعُظَمَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّيْنَ عَنْ آخِرهِمْ بِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ سَوْقًا حَثِيْثًا لِلِقَاءِ التَّتَارِ الْمَخْذُولِيْنَ، فَاجْتَمَعَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ بِالْخَلِيْفَةِ وَالسُّلْطَانِ وَأَرْبَابِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَأَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ عَنْ آخِرهِمْ، وَكُلُّهُمْ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ قِبْلِيَّ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ وَبِيْنِهُمْ وَبَيْنَ التَّتَارِ أَقَلُّ مِنْ مِقْدَار ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مَسَافَةً، وَدَار بَين الشَّيْخ الْمَذْكُور وَبَيْنَهُمْ مَا دَارَ بَيْنَ الشَّامِيِّيْنَ وَبَيْنَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَمَعَهُمْ كَأحَدِ أَعْيَانِهِمْ، وَاتَّفَقَ لَهُ مِنِ اجْتِمَاعِهِم مَا لَمْ يتَّفِقْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنسِهِ، حَيْثُ اجْتَمَعُوا بِجُمْلَتِهِمْ فِي مَكَان وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَمرٍ جَامعٍ لَهُمْ وَلَهُ، مُهِمٍّ عَظِيْمٍ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى سَماع كَلَامِهِ، هَذَا تَوْفِيْقٌ عَظِيمٌ كَانَ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ، لم يتَّفِقْ لِمِثْلِهِ.

وَبَقِي الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ رضي الله عنه هُوَ وَأَخُوهُ وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُزَاةَ قَائِمًا بِظُهُورِهِ وَجِهَادِهِ وَلَأْمَةِ حَرْبِهِ، يُوْصِي النَّاسَ بِالثَّبَاتِ، وَيَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ، وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ وَالْفَوْزِ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِلَى أَنْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَأَعَزَّ جُندَهُ وَهَزَمَ التَّتَارَ وَحْدَهُ وَنَصَرَ الْمُؤمِنِينَ، وَهُزِمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ، وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الْكُفَّارِ

مجالس رمضانية · الصفحة ١٩٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجالس رمضانيةص ١٩٠