• وَقَدْ يُرَائِي بِالْحَجِّ، وَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، لَكِنَّهُ لَوْ أَكَلَ وَشِرَبَ، وَقَضَى شَهْوَتَهُ فِي النَّهَارِ، وَتَظَاهَرَ لِلنَّاسِ بِالصِّيَامِ؛ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَتَى بِرُكْنِ الصِّيَامِ أَصْلًا!.
• قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" (ج ١/ صـ: ٣٢٥ - ٣٢٦): وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبرِّ كُلَّهَا لله تَعَالَى، وَهُوَ يَجزي بهَا، فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ الصَّوْمَ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى جَزَاءَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ مِنْ ابْن آدَمَ بِلِسَانٍ وَلَا فِعْلٍ، فَتَكْتُبَهُ الْحَفَظَةُ، وإِنَّمَا هُوَ نَيَّةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِمْسَاكُ عَنْ حَرَكَةِ الْمَطْعَم وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح. ا. هـ.
• وَقَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٧٠ - ١٧١): فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلْحَاقَ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالصَّوْمِ، فَقَالَ: إَنَّ الذِّكْرَ بِـ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يُمْكِنُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ خَاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْفَمِ، فَيُمْكِنُ لِلذَّاكِرِ أَنْ يَقُولَهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ا. هـ.
• قُلْتُ: لَكِنْ قَدْ يُتَعَقَّبُ هَذَا الْإِلْحَاقُ بِأَنَّهُم قَدْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِم انشِغَالُ ذِهْنِهِ؛ فَيَعْلَمُونَ حِينَهَا أَنَّهُ فِي شَأْنٍ، إِمَّا فِي تَفَكُّرٍ، أَوْ ذِكْرِ بِالْقَلْبِ، فَيَطَّلِعُونَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ عِبَادَتِهِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا عَنْهُمْ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصُ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْفَضِيْلَةِ.
• وَلأَحْمَدَ (رَقْم: ٢٢٢٧٦)، وَالنَّسَائِيِّ (رَقْم: ٢٢٢٢) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». (١)
(١) وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٨٩٣)، وابن حبان (رَقْم: ٣٤٢٥، و٣٤٢٦)، والحاكم (رَقْم: ١٥٣٣)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٩٨٦) وذكره العلامة الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٤٨٨).