بموت العذال، وشمس الجنوب بروح الشمال. عشق الأدب قبل أن عقدت عليه تمائمه، وزبنته دون الاحتضان روائمه؛ فجاء كالقدح هدى أوله النصل المطار، وحدا أسفله الريش الظهار. وناهز عشرين من سنيه «1» يرى الخليل في جنب «2» فضله خليلا، وسيبويه كليلا، وعبد الحميد رديدا، وابن العميد عميدا. إن خط فنقش العيد على أيدي الكواعب الغيد، وإن لفظ فعقود الرود منظومة، وأقاحي البطاح مرهومة «3». ولو لا أن أباه اعتبطه دون مداه، لخلف من آثار بنانه، وخلد من أنوار إبداعه وإحسانه، ما يفضح ماء الورد في تصعيده، وعصير الخمر من «4» عناقيده. لكنه لم يغن إلا قدر ما لمحته العيون، حتى اختطفته المنون، فقامت نواعي المجد يندبنه جميعا، ويبكينه نجيعا:
فظللت من بينهم صريعا ... أنشدهم [210 ب] واله القلب وجيعا
قد كان لي في رأيه وذكائه ... أشراط صدق أن يموت سريعا
ولقد ضمني وإياه مجلس لبعض أركان الدولة اليمينية، فاتفقنا ثاني اثنين من بين الحضور «5» في تنافث الهموم، وتذاكر العلوم، وتناشد أبيات الكرم واللؤم، فما كان إلا أن حمي المجلس بناره، وعقر الشرب بعقاره، حتى انحل عنه عقال اختياره، وانفتحت له أقفال أسراره، فغرق في بحر الدموع عينه، وألقى إلي ما دار بين أبيه وبينه، يقرر ما نشأ عليه من خدمة الأدب، والاستغناء بعصام النفس عن عظام النسب، على طاعة من ولد في حجره، والبروز على حكمي أمره وزجره. وإنه حين ملك أمره، وعرف من خله خمره «6»، وانفرد بتدبير معاشه، وتوفير نعمته ورياشه، ناهض «7» بأمله معونة أبيه ببعض ما يستحقه بررة