الطارئة عليه، بعرك من تصدى لمكاشفته، [235 أ] وتعرض لاستفساد مكانته. فوثق به السلطان فيما قال، وحدس أن صاعدا أجل من أن يعتقد الاعتزال، وأمر بإشخاص من انتدب لمراغمته، ومقابلته بما اقتضاه حكم وقاحته. واستحلس القاضي قرارة «1» بيته، فلم يكن يبرز إلا لفرض يقضيه، أو علم يمليه، مجتزئا بالله تعالى جده عن غيره، ومقتنعا بما أدره عليه من خيره. ورأى أن بقية العمر أعز «2» من أن تضاع على القيل والقال، وخدمة فضول الآمال، ومزاولة ما يصم «3» قدر العلم بالابتذال، واستناب ولدين له «4» كالفرقدين، أو الشعريين «5»، أبا الحسن وأبا سعيد شريكي عنان في المروءة والفتوة، ورضيعي لبان في أوامر «6» النبوة، وأحكام آيات الله المتلوة، في قضاء المواجب، واحتمال النوائب، فعفي له عن حقوق الناس، وفرغ لعلم النظر والقياس، وحظي بمثل ما أنبأ عنه أبو الفتح [علي بن محمد] «7» البستي من حاله بقوله:
قد جمع الله أربعا لي ... فيهن عزي وحسن حالي
بلاغ علم، مساغ شرب، ... رفاغ عيش، فراغ بال
نعم، وأطلق تمادي الأيام على نباهة أبي بكر وارتفاع مكانته، و[235 ب] اتساع حشمته ومهابته، وانبساط أيدي حاشيته في أموال وأعراض أهل ناحيته، واستمرار العناد بينه وبين أعيان الأشراف في جيرته، ألسن الجمهور بحضرة السلطان بما طغى من حاله، وبغى من جرح خباله، إدلالا بأفاعيله، واعتمادا بزعمه على ما سبق العلم به من خلوص ضميره، ورشاد سبيله؛ فتداركه الاحتمال مدة من الزمان مديدة، محافظة على الصنيعة من