سبب النزول
روي أنها نزلت في (عبد الله بن رواحة) كان بينه وبين ختنه (بشير بن النعمان) شيء فحلف عبد الله لا يدخل عليه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصم له، فكان إذا قيل له فيه يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي أن لا أبر بيميني، فأنزل الله ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله:
ولا تطع كل حلاف مهين
[القلم: 10] وكان العرب يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف كما قال كثير:
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن سبقت منه الألية برت
قال الإمام الفخر: " والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان، أن من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، ومن كمال التعظيم لله أن يكون ذكر الله أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية ".
اللطيفة الثانية: ذكر الله العلة في هذا النهي بقوله: ﴿ أن تبروا وتتقوا ﴾ أي إرادة أن تبروا وتتقوا، فإن قيل: كيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى؟
فالجواب: أن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا، والخسائس من أمور الحياة، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر والتقوى.
اللطيفة الثالثة: قال الإمام الجصاص: " قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع من كتابه العزيز، فكان المراد به معاني مختلفة على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى:
لا تسمع فيها لاغية
[الغاشية: 11] يعني كلمة فاحشة قبيحة وقال:
لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما
[الواقعة: 25] على هذا المعنى، وقال:
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه
[القصص: 55] يعني الكفر والكلام القبيح، وقال
والغوا فيه
[فصلت: 26] يعني الكلام الذي لا يفيد شيئا، وقال:
وإذا مروا باللغو مروا كراما
[الفرقان: 72] يعني الباطل، ويقال: لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه ".
اللطيفة الرابعة: الحكمة في تحديد مدة الإيلاء بأربعة أشهر، هي أن التأديب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه المدة، فالمرأة ينفد صبرها عن غياب بعلها هذه المدة، ولا تستطيع أن تصبر أكثر منها.
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد هذه الأبيات:
تطاول هذه الليل واسود جانبه
وأرقني ألا حبيب ألاعبه
فوا الله لولا الله لا شيء غيره
لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني
وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
فلما كان من الغد سأل عن المرأة أين زوجها؟ فقالوا يا أمير المؤمنين: بعثت به إلى العراق، فاستدعى نساء فسألهن عن المرأة كم تصبر عن زوجها؟ فقلن شهرا، وشهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفذ صبرها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت المدة استرد الغازين ووجه بقوم آخرين.
قال القرطبي: " وهذا يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر والله أعلم ".
اللطيفة الخامسة: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقا، قال سعيد بن المسيب: " كان الرجل لا يريد المرأة، ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف ألا يقربها فكان يتركها لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، فأزال الله تعالى ذلك الظلم، وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها ".
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد باليمين اللغو، وهل فيه كفارة؟
دل قوله تعالى: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ على أن اليمين اللغو لا إثم فيه ولا كفارة، وقد اختلف الفقهاء في تعريف هذه اليمين على أقوال:
أ - قال الشافعي وأحمد: اللغو في اليمين هو: ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف، كقول الرجل في كلامه: لا والله، وبلى والله دون قصد لليمين، وهذا التأويل منقول عن بعض السلف كعائشة، والشعبي، وعكرمة.