اللطيفة الثانية: في قوله تعالى: ﴿ خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ إشارة لطيفة إلى أن الذي ينبغي أن يراعي في الزواج (الخلق والدين) لا الجمال والحسب، والمال، كما قال عليه الصلاة والسلام:
" لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل ".
اللطيفة الثالثة: من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، ولذلك قدمت في غير هذه الآية
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة
[آل عمران: 133] وإنما قدمت الجنة هنا لرعاية مقابلة النار لتكمل وتظهر المقابلة ﴿ أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ﴾.
اللطيفة الرابعة: في الآية الكريمة من المحسنات البديعة ما يسمى ب (المقابلة) فقد جاء بلفظ (أمة) ويقابلها (العبد) وبلفظ (مؤمنة) ويقابلها (المشركة) وبلفظ (الجنة) ويقابلها (النار) فهي مقابلة لطيفة بديعة تزيد الكلام رونقا وجمالا، والفرق بين (المقابلة) و(الطباق) أن المقابلة تكون بين معنيين أو أكثر متوافقة، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، أما الطباق فيكون بين لفظين مثل (الأول والآخر) ومثل (أضحك وأبكى).
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل يحرم نكاح الكتابيات؟
دل قوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ على حرمة نكاح المجوسيات والوثنيات.
وأما الكتابيات فيجوز نكاحهن لقوله تعالى في سورة المائدة [الآية: 5]:
وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب..
الآية أي العفيفات من أهل الكتاب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه قال الأئمة الأربعة.
وذهب ابن عمر رضي الله عنهما إلى تحريم نكاح الكتابيات، وكان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: " حرم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن يقول المرأة: ربها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى ".
وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية وجعلوا آية المائدة منسوخة بهذه الآية نسخ الخاص بالعام.
حجة الجمهور:
أ - احتج الجمهور بأن لفظ (المشركات) لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى:
ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين
[البقرة: 105] وقوله:
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين
[البينة: 1] فقد عطف المشركين على أهل الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة، فظاهر لفظ (المشركات) لا يتناول الكتابيات.
ب - واستدلوا بما روي عن السلف من إباحة الزواج بالكتابيات، فقد قال قتادة في تفسير الآية إن المراد بالمشركات (مشركات العرب) اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه.
وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزوج اليهودية والنصرانية فقال: لا بأس به، فقلت: أليس الله تعالى يقول: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾؟ فقال: إنما تلك المجوسيات وأهل الأوثان.
ج - وقالوا: لا يجوز أن تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة، والمائدة من آخر ما نزل، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم لا العكس.
د - واستدلوا بما روي أن حذيفة تزوج يهودية، فكتب إليه عمر خل سبيلها، فكتب إليه أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن.
فدل على أن عمر فعل هذا من باب الحيطة والحذر، لا أنه حرم نكاح الكتابيات.
ه - واستدلوا بالحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في المجوس:
" سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم ".
فلو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لم يكن لذكره فائدة.
قال الطبري بعد سرده للأقوال: " وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قاله (قتادة) من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها، خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أن الله تعالى أحل بقوله: