تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى

فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ

فهل أنتم منتهون

[المائدة: 91] قال عمر: انتهينا، انتهينا.

ثانيا: وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن

[الأنعام: 152] ونزل

إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا

[النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.

وجوه القراءات

1 - قرأ الجمهور (قل فيهما إثم كبير) بالباء، وقرأ حمزة والكسائي (كثير) بالثاء.

قال الطبري: ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما.

2 - قرأ الجمهور (قل العفو) بالنصب، وقرأ أبو عمرو (قل العفو) بالرفع. ويكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي؟ ينفقون قل: المنفق العفو.

وجوه الإعراب

1 - قوله تعالى: ﴿ كذلك يبين الله ﴾ قال ابن الأنباري: الكاف في (كذلك) إشارة إلى ما بين من الإنفاق، فكأنه قال: مثل ذلك الذي بينه لكم في الإنفاق يبين الآيات، ويجوز أن يكون " كذلك " ليس إشارة إلى ما قبله بل بمعنى " هكذا " قاله ابن عباس.

وقال العكبري: الكاف في (كذلك) في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبيينا مثل هذا التبيين يبين الله لكم، وقوله (في الدنيا والآخرة) متعلقة ب (تتفكرون) ويجوز أن تتعلق ب (يبين) والمعنى: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة.

2 - قوله تعالى: ﴿ إصلاح لهم خير ﴾ (إصلاح) مبتدأ، و(خير) خبره، وجاز الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معنى الفعل تقديره: أصلحوهم.

3 - قوله تعالى: ﴿ فإخوانكم ﴾ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم إخوانكم.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: " أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى:

ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا

[النحل: 67] فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس ﴾ فتركها قوم لقوله: ﴿ قل فيهمآ إثم كبير ﴾ وشربها قوم لقوله: ﴿ ومنفع للناس ﴾ ثم إن (عبد الرحمن بن عوف) صنع طعاما ودعا إليه ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعمهم وسقاهم الخمر، وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ (قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون) بحذف (لا) فنزل قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون

[النساء: 43] فحرم الله السكر في أوقات الصلاة، فكان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال سكره، ثم إن (عتبان بن مالك) صنع طعاما ودعا إليه رجالا من المسلمين فيهم (سعد بن أبي وقاص) وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، فافتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس (سعد) فشجه، فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فأنزل الله

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس...

إلى قوله:

فهل أنتم منتهون

[المائدة: 90-91]؟ فقال عمر: انتهينا ربنا انتهينا ".

اللطيفة الثانية: في تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءا من حياتهم، فلو حرمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم، وربما لم يستجيبوا لذلك النهي، كما تقول السيدة عائشة رضي الله عنها " أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول ما نزل: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبدا ".

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٨٤