تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رابعا: ما روي عن جابر بن عبد الله

" أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا خير لكم ".

خامسا: وأجابوا عن الآية والأحاديث التي استدل بها الشافعية فقالوا: إنها محمولة على ما كان بعد الشروع، فإن التعبير بالإتمام مشعر بأنه كان قد شرع فيه، وهذا يجب بالاتفاق.

قال العلامة الشوكاني: " وهذا وإن كان فيه بعد، لكنه يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه صلى الله عليه وسلم بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب، وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها ".

أقول: لعل هذا الرأي يكون أرجح والله تعالى أعلم.

الحكم الثاني: هل الإحصار يشمل المرض والعدو؟

اختلف العلماء في السبب الذي يكون به الإحصار، والذي يبيح للمحرم التحلل من الإحرام.

فذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو، لأن الآية نزلت في إحصار النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، عندما منع من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا محرمين بالعمرة.

وقال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.

وذهب أبو حنيفة: إلى أن الإحصار يكون من كل حابس يحبس الحاج عن البيت من عدو، أو مرض، أو خوف، أو ذهاب نفقة، أو ضلال راحلة، أو موت محرم الزوجة في الطريق، وغير ذلك من الأعذار المانعة.

وحجته: ظاهر الآية ﴿ فإن أحصرتم ﴾ فإن الإحصار - كما يقول أهل اللغة - يكون بالمرض، وأما الحصر (المنع والحبس) فيكون بالعدو، فلما قال تعالى: ﴿ أحصرتم ﴾ ولم يقل (حصرتم) دل على أنه أراد ما يعم المرض والعدو.

واستدل بما روي عن ابن مسعود أنه أفتى رجلا لدغ بأنه محصر وأمره أن يحل.

وحجة الجمهور أن الله تعالى ذكر في الآية قوله: ﴿ فإذآ أمنتم ﴾ وهو يدل على أنه حصر العدو لا حصر المرض، ولو كان من المرض لقال: (فإذا برأتم) ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، فقيد إطلاق الآية وهو أعلم بالتنزيل.

الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الحنفية يكون أرجح، فهو الموافق لظاهر الآية الكريمة، والموافق ليسر الإسلام وسماحته، وقد اعتضد بأقوال أهل اللغة، فإنهم جميعا متفقون على أن (الإحصار) يكون بالمرض، و(الحصر) يكون بالعدو، والآية بظاهرها تميل إلى التيسير، فإن المريض الذي يشتد مرضه كيف يمكنه إتمام المناسك! والشخص الذي تضل راحلته، أو تضيع نقوده كيف يستطيع متابعة السفر، مع أنه لم يعد يملك نفقة ولا زادا؟ وهل يكلفه الإسلام أن يستجدي من الناس؟!

وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره شيخ المفسرين (ابن جرير الطبري) رحمه الله حيث قال ما نصه: " وأولى التأويلين بالصواب في قوله: ﴿ فإن أحصرتم ﴾ تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو، أو مرض، أو علة من الوصول إلى البيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم. ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: ﴿ فإن أحصرتم ﴾ فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم ".

أقول ويؤيده ما روي في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها قالت:

" دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني "

فقد دل على أن المرض من الأسباب المبيحة للتحلل، وهذا ما يتفق مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه.

الحكم الثالث: ماذا يجب على المحصر، وأين موضع ذبح الهدي؟

الآية الكريمة صريحة في أن على (المحصر) أن يذبح الهدي لقوله تعالى: ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ وأقله شاة، والأفضل بقرة أو بدنة، وإنما تجزئ الشاة لقوله تعالى: ﴿ فما استيسر ﴾ وهذا رأي جمهور الفقهاء، وروي عن ابن عمر أنه قال: بدنة أو بقرة ولا تجزئ الشاة، والصحيح رأي الجمهور.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٧٧