تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بين تعالى أشهر الحج وهي (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) وأمر من ألزم نفسه الحج بالتجرد عن عاداته، وعن التمتع بنعيم الدنيا، لأنه مقبل على الله، قاصد لرضاه، فعليه أن يترك النساء والاستمتاع بهن، وأن يترك المعاصي والنزاع والجدال مع الناس، وأن يتزود من الأعمال الصالحة التي تقربه من الله.

ثم أبان تعالى أن الكسب في أيام الحج غير محظور، وأن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية، وقد كان الناس يتأثمون من كل عمل دنيوي أيام الحج، فأعلمهم الله أن الكسب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص ثم أمر تعالى الناس بعد الدفع من عرفات، أن يذكروا الله عند المشعر الحرام، بالدعاء والتكبير والتلبية، وأن يشكروه على نعمة الإيمان، فإذا فرغوا من مناسك الحج، فليكثروا ذكر الله وليبالغوا فيه كما كانوا يفعلون بذكر آبائهم ومفاخرهم.

روي عن ابن عباس أنه قال: " كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، يتفاخرون بمآثر آبائهم، يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله ﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا ﴾.

وجه الارتباط بالآيات السابقة

ذكرت أحكام الحج بعد ذكر أحكام الصيام، لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات القتال السابقة فقد نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم، والإحرام، والمسجد الحرام، ولما كان عليه السلام قد أراد العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية، وأراد القضاء في العام القابل، وخاف أصحابه غدر المشركين بهم أنزل الله أحكام القتال، ثم عاد الكلام إلى إتمام أحكام الحج فهذا هو وجه الارتباط والله تعالى أعلم.

سبب النزول

أولا: عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال:

" حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا!! أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك "

فنزلت ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ﴾ قال فنزلت في خاصة وهي لكم عامة.

ثانيا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحو المتوكلون فيسألون الناس، فأنزل الله تعالى ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾.

ثالثا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، " فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها يفيض منها فذلك قوله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾.

وفي رواية كانوا يقولون: " نحن أهل الله وقطان حرمه فلا نخرج منه ولا نفيض إلا من الحرم ".

وجوه القراءات

1 - قرأ الجمهور (أو نسك) بضم النون والسين، وقرأ الحسن (أو نسك) بسكون السين.

2 - قرأ الجمهور (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) بالفتح في الجميع، وقرأ أبو جعفر وابن كثير بالرفع في الجميع (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).

وجوه الإعراب

1 - قوله تعالى: ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال الزمخشري: رفع بالابتداء أي فعليه ما استيسر، أو نصب على تقدير: فاهدوا ما استيسر.

2 - قوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ (الحج) مبتدأ و(أشهر) الخبر، والتقدير: أشهر الحج أشهر معلومات كقولهم: البرد شهران أي وقت البرد شهران.

أقول: إنما قدر العلماء ذلك لأنه من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر.

3 - قوله تعالى: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ (لا) نافية للجنس و(رفث) اسمها و(في الحج) الخبر و(لا) مكررة للتوكيد في المعنى وهو خبر يفيد النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا.

4 - قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هدكم ﴾ الكاف نعت لمصدر محذوف و(ما) مصدرية والتقدير اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، ويجوز أن تكون الكاف بمعنى (على) والتقدير: اذكروا الله على ما هداكم، وقوله تعالى ﴿ وإن كنتم ﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٧٥