قال القرطبي: " ويدل عليه من النظر أن قاتل (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة، والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان، والزمنى، والشيوخ فلا يقتلون، وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه (يزيد ابن أبي سفيان) حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، وللعلماء فيهم صور ست:
الأولى - النساء إن قاتلن قتلن لعموم قوله تعالى: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾.
الثانية - الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم.
الثالثة - الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون لقول أبي بكر (فذرهم وما حبسوا أنفسهم له).
الرابعة - الزمني إن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة.
الخامسة - الشيوخ قال مالك: لا يقتلون وهو قول جمهور الفقهاء إذا كان لا ينتفع بهم في رأي ولا مدافعة.
السادسة - العسفاء وهم الأجراء والفلاحون لقول عمر (اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب).
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
1 - القتال ينبغي أن يكون لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه.
2 - الله جل وعلا يكره العدوان والظلم والطغيان أيا كان مصدره.
3 - فتنة المؤمنين بالاضطهاد والتعذيب والتشريد مثل القتل.
4 - لا يعتدى على النساء والضعفاء والصبيان ممن لا قدرة لهم على القتال.
5 - الجهاد لدفع أذى المشركين، وقبر الفتنة، وتأمين سير الدعوة.
6 - ترك الانفاق والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس سبب للهلاك.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
الصراع بين الحق والباطل قديم قدم هذه الحياة، لا يهدأ ولا ينتهي ولا يزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون!!
ولا بد لكل أمة من أمم الأرض، تريد أن تحيا حياة العزة والكرامة، من أن تستعد الاستعداد الكامل لمجابهة عدوها بكل ما تملك من قوة، وأن تأخذ بأسباب النصر، فتهيئ شبابها للجهاد والقتال، لأنه لا عيش في هذه الدنيا إلا للأقوياء، ولا منطق إلا للقوة، وقديما قال شاعرنا العربي:
ومن لم يذد عن حوصه بسلاحة
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
والإسلام دين الله إلى الإنسانية، يهتم بدعوة الناس إلى الدخول في هدايته، والانضواء تحت رايته، لينعموا بحياة الأمن والاستقرار، ويعيشوا العيشة الكريمة التي أرادها الله لنبي الإنسان وإن الأمة الإسلامية. هي الأمة التي اختارها الله لإعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وايصال هذا الهدى والنور إلى أمم الأرض.
فإذا وقف أحد في طريق الدعوة، وأراد أن يصدها عن المضي في طريقها، فلا بد من دحره، وتطهير الأرض من شره، لتصل هداية الله إلى النفوس، وتعلو كلمة الحق، ويأمن الناس على حريتهم الدينية، في الإيمان بالله الواحد القهار. ولذلك شرع القتال لدفع عدوان الظالمين، ولتحطيم كل قوة تعترض طريق الدعوة، وإيصالها للناس في حرية واطمئنان. وصدق الله
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله
[البقرة: 193].
ولا يقاتل إلا الباغي المعتدي، الذي يريد أن يفرض إرادته على الأمة بالقهر والسلطان، وأن يصد عن دين الله بقوة الحديد والنار، ويفتن المؤمن بوسائل الفتنة والإغراء. ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾.