تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأمر الأول: فالصيام عبودية لله، وامتثال لأوامره، واتقاء لحرماته، ولهذا جاء في الحديث القدسي:

" كل عمل آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي "

فشعور الإنسان بالعبودية لله عز وجل، والاستسلام لأمره وحكمه، وهو أسمى أهداف العبادة وأقصى غاياتها، بل هو الأصل والأساس الذي ترتكز عليه حكمة خلق الإنسان

وأمرنا لنسلم لرب العالمين

[الأنعام: 71].

الأمر الثاني: الأمر الثاني من حكمة مشروعية الصيام، هي تربية النفس، وتعويدها على الصبر وتحمل المشاق في سبيل الله، فالصيام يربي قوة العزيمة وقوة الإرادة، ويجعل الإنسان متحكما في أهوائه ورغباته، فلا يكون عبدا للجسد، ولا أسيرا للشهوة، وإنما يسير على هدي الشرع، ونور البصيرة والعقل، وشتان بين إنسان تتحكم فيه أهواؤه وشهواته فهو يعيش كالحيوان لبطنه وشهوته، وبين إنسان يقهر هواه ويسيطر على شهوته، فهو ملاك من الملائكة

ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم

[محمد: 12].

الأمر الثالث: أن الصوم يربي في الإنسان، ملكة الحب والعطف والحنان، ويجعل منه إنسانا رقيق القلب، طيب النفس، ويحرك فيه كوامن الإيمان، فليس الصيام حرمانا للإنسان عن الطعام والشراب، بل هو تفجير للطاقة الروحية في نفس الإنسان، ليشعر بشعور إخوانه، ويحس بإحساسهم، فيمد إليهم يد المساعدة والعون، ويمسح دموع البائسين، ويزيل أحزان المنكوبين، بما تجود به نفسه الخيرة الكريمة التي هذبها شهر الصيام، ولقد قيل ليوسف الصديق عليه السلام: " لم تجوع وأنت على خزائن الأرض فقال: أخشى إن أنا شبعت أن أنسى الجائع ".

الأمر الرابع: أن الصوم يهذب النفس البشرية، بما يغرسه فيها من خوف الله جل وعلا، ومراقبته في السر والعلن، ويجعل المرء تقيا نقيا يبتعد عن كل ما حرم الله، فالسر في الصوم هو الحصول على (مرتبة التقوى) والله تبارك وتعالى حين ذكر الحكمة من مشروعية الصيام قال: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ولم يقل (لعلكم تتألمون) أو (لعلكم تجوعون) أو(لعلكم تصحون) والتقوى هي ثمرة الصيام التي يجنيها الصائم من هذه العبادة، وهي إعداد نفس الصائم للوقوف عند حدود الله، بترك شهواته الطبيعية المباحة، امتثالا لأمره واحتسابا للأجر عنده، وهذا هو سر الصيام وروحه ومقصده الأسمى، الذي شرعه الله من أجله، كما بينه في كتابه العزيز، فلله ما أسمى الصيام، وما أروع حكمة الله في شرعه العادل الحكيم!!

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٦٧