تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الترجيح:

أقول: مذهب أبي حنيفة في قتل الحر بالعبد معقول المعنى، مؤيد " من قتل عبده قتلناه... " فالإسلام قد ساوى بين الأحرار والعبيد في الدماء، فحرمة العبد كحرمة الحر، ونفس العبد كنفس الحر، ولهذا يقتل به.

أما قتل المؤمن بالكافر: ففي النفس من قول أبي حنيفة شيء، والراجح فيه رأي الجمهور لا سيما بعد أن تأكد بالدليل الثابت

" لا يقتل مسلم بكافر "

أخرجه البخاري.

وكما يقول ابن كثير رحمه الله: لا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا.

ثم كيف يتساوى المؤمن مع الكافر، مع أن الكافر شر عند الله من الدابة؟ والمؤمن طيب طاهر والله تعالى يقول:

إنما المشركون نجس

[التوبة: 28] ويقول:

قل لا يستوي الخبيث والطيب

[المائدة: 100]، فكيف نقتل مؤمنا طاهرا بمشرك نجس؟! فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة قول الجمهور. وقد رأيت في بعض مراجعاتي قصة لطيفة وهي أن (أبا يوسف) القاضي من تلامذة الإمام أبي حنيفة، رفعت إليه قضية، تتلخص في أن مسلما قتل ذميا كافرا، فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص، فبينما هو جالس ذات يوم، إذ جاءه رجل برقعة فألقاها إليه ثم خرج، فإذا فيها هذه الأبيات:

يا قاتل المسلم بالكافر

جرت وما العادل كالجائر

يا من ببغداد وأطرافها

من علماء الناس أو شاعر

استرجعوا وابكوا على دينكم

واصطبروا فالأجر للصابر

جار على الدين أبو يوسف

بقتله المؤمن بالكافر

فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة.. فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يستطيعوا أن يثبتوا فأسقط القود وأمر بدفع الدية.

مناظرة لطيفة

ذكر العلامة أبو بكر ابن العربي في تفسيره " أحكام القرآن " هذه المناظرة اللطيفة فقال:

" ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف ب (الزوزني) زائرا للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة - طهرها الله - معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر فقال: يقتل به قصاصا، فطولب بالدليل فقال: الدليل عليه قوله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ وهذا عام في كل قتيل.

فانتدب معه في الكلام فقيه الشافعية وإمامهم بها (عطاء المقدسي) وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن الله سبحانه قال: ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإن الكفر حط منزلته، ووضع مرتبته.

الثاني: أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ فإذا نقص العبد عن الحر بالرق - وهو من آثار الكفر - فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.

الثالث: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول.

فقال الزوزني: دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء.

أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول، وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص معدومة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم، والمسلم محقون الدم، وكلاهما في دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه.

وأما قولك: إن الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم، فإن أول الآية عام، وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كل حكمه من عموم أو خصوص.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٥٤