تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ب - وروي عن (سعيد بن جبير) أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم: ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى... ﴾.

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: أكرم الله هذه الأمة المحمدية فشرع لهم قبول الدية في القصاص، ولم يكن هذا في شريعة التوراة، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ فالعفو أن تقبل الدية في العمد ﴿ فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ﴾ يتبع الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ قتل بعد قبول الدية ﴿ فله عذاب أليم ﴾.

اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حيوة ﴾ الآية.

قال الزجاج: " إذا علم الرجل أنه إن قتل، قتل، أمسك عن القتل، فكان في ذلك حياة للذي هم بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال:

أبلغ أبا مالك عني مغلغلة

وفي العتاب حياة بين أقوام

يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح العتاب ما بينهم ".

اللطيفة الثالثة: بينت هذه الآية على وجازتها حكمة القصاص، بأسلوب لا يسامى، وعبارة لا تحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن.

ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمنا لضده، وهو (الحياة) في (الإماتة) التي هي القصاص، وعرف القصاص ونكر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس نوعا من الحياة عظيما لا يبلغه الوصف، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب في حياة البشرية. ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وقد اشتهر عن بعض بلغاء العرب كلمة في معناها، كانوا يعجبون من إيجازها وبلاغتها، ويظنون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل) وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، لأنها قيلت قبلها أقوال لمشاهير البلغاء كقولهم: (قتل البعض إحياء للجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقل القتل) وأجمعوا على أن كلمة (القتل أنفى للقتل) أبلغ هذه العبارات على الإطلاق.

قال الإمام الفخر: " وبيان التفاوت بين النظم الكريم وبين كلام العرب من وجوه عدة:

الأول: أن النظم الكريم (في القصاص حياة) أشد اختصارا من قولهم (القتل أنفى للقتل) لأن حروفها أقل.

الثاني: أن قولهم (القتل أنفى للقتل) ظاهره يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال.

الثالث: أن كلامهم فيه تكرار للفظ القتل، وليس في الآية الكريمة هذا التكرار.

الرابع: أن قولهم لا يفيد إلا الردع عن القتل، والآية أجمع لأنها تفيد الردع عن القتل والجراح.

الخامس: أن القتل ظلما قتل وليس نافيا للقتل، بل هو سبب لزيادة القتل، فظاهر قولهم باطل، وبذلك يظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب.

الأحكام الشرعية

الحكم الأول: هل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؟

اختلف الفقهاء في الحر إذا قتل عبدا، والمسلم إذا قتل ذميا هل يقتلان بهما أم لا؟

فذهب الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولا المسلم بالذمي.

وذهب الحنفية: إلى أن الحر يقتل بالعبد، وكذلك المسلم يقتل بالذمي.

أدلة الجمهور:

استدل الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والمعقول.

أ - أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ فقد أوجب الله المساواة، ثم بين هذه المساواة بقوله: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٥٢