قال الراغب: أما خطابه الخاص فتشريفا له وإيجابا لرغبته عليه الصلاة والسلام، وأما خطابه العام بعده فلأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا قد خص عليه الصلاة والسلام به، كما خص في قوله
قم اليل
[المزمل: 2]، ولما كان تحويل القبلة له خطر خصهم بخطاب مفرد.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد بالمسجد الحرام في القرآن الكريم؟
ورد ذكر ﴿ المسجد الحرام ﴾ في آيات متفرقة من القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة أيضا، وقصد به عدة معان:
الأول: الكعبة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ أي جهة الكعبة.
الثاني: المسجد كله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام "
وقوله عليه الصلاة والسلام:
" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ".
الثالث: مكة المكرمة كما في قوله تعالى:
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
[الإسراء: 1] وكان الإسراء من مكة المكرمة، وقوله تعالى:
هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام
[الفتح: 25] وقد صدوهم عن دخول مكة.
الرابع: الحرم كله (مكة وما حولها من الحرم) كما في قوله تعالى:
إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا
[التوبة: 28] والمراد منعهم من دخول الحرم.
والمراد بالمسجد الحرام هنا هو المعنى الأول (الكعبة) والمعنى: فول وجهك شطر الكعبة.
الحكم الثاني: هل يجب استقبال عين الكعبة أم يكفي استقبال جهتها؟
استقبال القبلة فرض من فروض الصلاة، لا تصح الصلاة بدونه، إلا ما جاء في صلاة الخوف والفزع، وفي صلاة النافلة على الدابة أو السفينة، فله أن يتوجه حيث توجهت به دابته، لما رواه أحمد ومسلم والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، وفيه نزلت
فأينما تولوا فثم وجه الله
[البقرة: 115].
وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إنما الخلاف هل الواجب استقبال عين الكعبة أم استقبال الجهة؟
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الواجب استقبال عين الكعبة.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواجب استقبال جهة الكعبة، هذا إذا لم يكن المصلي مشاهدا لها، أما إذا كان مشاهدا لها فقد أجمعوا أنه لا يجزيه إلا إصابة عين الكعبة، والفريق الأول يقولون: لا بد للمشاهد من إصابة العين، والغائب لا بد له من قصد الإصابة مع التوجه إلى الجهة، والفريق الثاني يقولون: يكفي للغائب التوجه إلى جهة الكعبة.
أدلة الشافعية والحنابلة:
استدل الشافعية والحنابلة على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والقياس.
أ - أما الكتاب: فهو ظاهر هذه الآية ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ووجه الاستدلال: أن المراد من الشطر الجهة المحاذية للمصلي والواقعة في سمته، فثبت أن استقبال عين الكعبة واجب.
وأما السنة: فما روي في " الصحيحين " عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال:
" لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين من قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة ".
قالوا: فهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة.
ج - وأما القياس: فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة، أمر بلغ مبلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف، فوجب أن يكون مشروعا.
وقالوا أيضا: كون الكعبة قبلة أمر مقطوع به، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك فيه، ورعاية الاحتياط في الصلاة أمر واجب، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال عين الكعبة.
أدلة المالكية والحنفية:
واستدل المالكية والحنفية على مذهبهم بالكتاب، والسنة وعمل الصحابة، والمعقول.
أ - أما الكتاب: فظاهر قوله تعالى: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ولم يقل: شطر الكعبة، فإن من استقبل الجانب الذي فيه المسجد الحرام، فقد أتى بما أمر به، سواء أصاب عين الكعبة أم لا.