ب - نسخ الجلد عن الثيب المحصن في قوله تعالى:
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة
[النور: 2] ولا مسقط لذلك إلا فعله صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالرجم فقط.
ج - وقالوا إن ما ورد في الكتاب أو السنة، كله حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت الأسماء، لأن الله تعالى يقول:
وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 3-4].
د - وأجابوا عما استدل به الشافعي رحمه الله بأنه استدلال غير واضح. لأن الخيرية إنما تكون بين الأحكام، فيكون الحكم الناسخ خيرا من الحكم المنسوخ، بحسب ما علم الله من اشتماله على مصالح العباد بحسب أوقاتها وملابساتها، ولا معنى لأن يكون لفظ الآية خيرا من لفظ آية أخرى، وإذا كان الأمر كذلك، فالمدار على أن يكون الحكم الناسخ خيرا من المنسوخ، أيا كان الناسخ قرآنا، أو سنة، لأن الكل تشريع الحكيم العليم.
الترجيح: ومن هنا يترجح رأي الجمهور، لأن الخيرية والأفضلية إنما هي بحسب اختلاف الأحكام شدة وتيسيرا وتمام الأبحاث مستوفى في علم الأصول.
الحكم الرابع: هل يجوز النسخ إلى ما هو أشق وأثقل؟
قال الإمام الفخر: قال قوم لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه، واحتجوا بأن قوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ ينافي كونه أثقل، لأن الأثقل لا يكون خيرا منه، ولا مثله.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثوابا في الآخرة؟.
ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت، إلى (الجلد والرجم) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين فنسخت بأربع في الحضر.
إذا عرفت هذا فنقول: أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الأمثلة المذكورة، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها، وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.
الحكم الخامس: هل يقع النسخ في الأخبار؟
جمهور العلماء على أن النسخ مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى.
وقيل: إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى:
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا
[النحل: 67].
قال ابن جرير الطبري: " يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾ أي ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا.. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحضر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ ".
وقال القرطبي: والنسخ كله إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي، فتأمل هذا فإنه نفيس.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
1 - نسخ الأحكام جائز بالإجماع كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
2 - راعت الشريعة الغراء مصالح العباد، ولذا وقع النسخ في بعض الأحكام.
3 - النسخ لا يكون في الأخبار والقصص، إنما يكون في الأحكام التي فيها حلال وحرام.
4 - الأحكام مرجعها إلى الله تعالى، الذي يشرع لعباده ما فيه خيرهم وسعادتهم.
5 - الله جل جلاله مالك الملك فيجب الاستسلام لحكمه وأمره مع الاطمئنان.
6 - ليس من شأن المسلم أن يسأل نبيه سؤال تعنت كما فعل اليهود مع أنبيائهم.
7 - الانحراف عن طريق الاستقامة، وسلوك سبيل الضالين سبب الشقاوة.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء محققة لمصالح الناس، متمشية مع تطور الزمن، صالحة لكل زمان ومكان.. وكان من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أن سن لهم " سنة التدرج " في الأحكام، لتبقى النفوس على أتم الاستعداد لتقبل تلك التكاليف الشرعية، فلا تشعر بملل أو ضجر، ولا تحس بمشقة أو شدة.. ولتظل الشريعة الغراء - كما أرادها الله - شريعة سمحة، سهلة لا عسر فيها ولا تعقيد، ولا شطط فيها ولا إرهاق.