والسبيل في اللغة: الطريق، والمراد به طريق الاستقامة.
ومعنى الآية: من يختر الكفر والجحود بالله ويفضله على الإيمان، فقد حاد عن الحق، وعدل عن طريق الاستقامة، ووقع في مهاوي الردي.
وجه الارتباط بالآيات السابقة
بعد أن بين سبحانه وتعالى حقيقة الوحي، ورق على المكذبين به والكارهين له جملة وتفصيلا، ذكر هنا سر النسخ، وأبطل مقال الطاعنين فيه، بأنه تعالى يأمر بالشيء لما يكون فيه من المصلحة للعباد، ثم ينهى عنه لما يرى فيه من الخير لهم، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة والأشخاص، فينبغي تسليم الأمر لله، وعدم الاعتراض عليه، لأنه هو الحكيم العليم.
المعنى الإجمالي
يقول الله جل ثناؤه ما معناه:
﴿ ما ننسخ من آية ﴾: أي ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير لكم منها - أيها المؤمنون - في العاجل أو الآجل إما برفع مشقة عنكم، أو بزيادة الأجر لكم والثواب، أو بمثلها في الفائدة للعباد، ألم تعلموا أيها الناس أن الله عليم، حكيم، قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان، وأنه - جل وعلا - شرع هذه الملة الحنيفية السمحة، ليرفع عن عباده الأغلال والآصار؟!
فلا تظنوا أن تبديله للأحكام لعجز في القدرة، أو جهل في المصلحة، وإنما تغييرها يرجع إلى منفعة العباد، فهو المالك المتصرف في شؤون الخلق، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، ويبدل وينسخ الأحكام حسب ما يريد، وما لكم أيها الناس سوى ولي يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم، فلا تثقوا بغيره، ولا تعتمدوا إلا عليه، فهو نعم الناصر والمعين.
أتريدون - أيها المؤمنون - أن تسألوا رسولكم، نظير ما سأل قوم موسى من قبل؟! فتضلوا كما ضلوا، ويكون مثلكم مثل اليهود الذين سألوا نبيهم تعنتا واستكبارا فقالوا:
أرنا الله جهرة
[النساء: 153] وطلبوا منه ما لا يسوغ طلبه حيث قالوا:
اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة
[الأعراف: 138] فهل يليق بكم أن تتعنتوا مع نبيكم، وتقترحوا عليه ما تشتهون، فتصبحوا كاليهود الضالين؟!
ومن يستبدل الكفر بالإيمان، والضلالة بالهدى، فقد حاد عن الجادة، وعدل عن طريق الاستقامة، وتردى في مهاوي الهلاك، وخسر نفسه حيث عرضها لعذاب الله الأليم.
سبب النزول
أ - روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمد!؟ يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضا فنزلت ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها... ﴾ الآية.
ب - روي الفخر الرازي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
" إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقالوا يا محمد: والله لا نؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا من الله أنك رسوله فأنزل الله تعالى:
أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل...
[البقرة: 108].
ج - وروي عن مجاهد أن قريشا سألت محمدا عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهبا فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا فأنزل الله ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم... ﴾.
وجوه القراءات
1- قرأ الجمهور ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ بفتح النون من نسخ الثلاثي، وقرأ ابن عامر (ننسخ) بضم النون وكسر السين من أنسخ الرباعي.
قال الطبرسي: " لا يخلو من أن يكون (أفعل) لغة في (فعل) نحو بدأ وأبدأ، وحل من إحرامه وأحل، أو تكون الهمزة للنقل نحو ضرب وأضربته، والوجه الصحيح هو الأول وهو أن يكون نسخ وأنسخ لغتين متفقتين في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ، وقول من فتح النون (ننسخ) أبين وأوضح.