فأي مسلم يسمع مثل هذا الوعيد ثم يتعامل بالربا؟! اللهم احفظنا من هذه الجريمة الشنيعة، وطهرنا من أكل السحت والتعامل بالربا إنك سميع مجيب الدعاء اللهم آمين.
سبب النزول
1 - كان العباس وخالد بن الوليد شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس، وكل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ".
وجوه القراءات
1 - قرأ الجمهور ﴿ فأذنوا بحرب ﴾ وقرأ حمزة وعاصم (فآذنوا بحرب) بالمد.
قال الزجاج: من قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ بالقصر، فالمعنى: أيقنوا، ومن قرأ بالمد فمعناه أعلموا.
2 - قرأ الجمهور ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ وروي عن عاصم بضم الأولى وفتح الثانية.
3 - قرأ الجمهور ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ بتسكين السين، وضمها أبو جعفر (عسرة).
4 - قرأ الجمهور ﴿ يوما ترجعون فيه إلى الله ﴾ بضم التاء، وقرأ أبو عمرو بفتحها (ترجعون).
وجوه الإعراب
أولا: قوله تعالى: ﴿ الذين يأكلون الربوا ﴾ مبتدأ وجملة ﴿ لا يقومون ﴾ خبره، والكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا قياما مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان.
ثانيا: قوله تعالى: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ جواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فذروا.
ثالثا: قوله تعالى: ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ كان هنا تامة بمعنى إن حدث ذو عسرة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: المراد بالأكل في الآية الكريمة مطلق الأخذ والتصرف، وعبر به هنا ﴿ الذين يأكلون الربوا ﴾ لأنه الغرض الأساسي من المال، وما عداه من سائر الوجوه فتبع، وقد شاع هذا الإطلاق يقال لمن تصرف في مال غيره بدون حق: أكله، وهضمه.
اللطيفة الثانية: تشبيه المرابين بالمصروعين، الذين يتخبطهم الشيطان، فيه لطيفة وهي أن الله عز وجل أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم، فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون وتلك سيماهم يوم القيامة يعرفون بها، قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا يوم القيامة.
اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ إنما البيع مثل الربوا ﴾ تشبيه لطيف يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يصبح المشبه مشبها به مثل قولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفه، على حد قول القائل:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
سوى أن عظم الساق منك دقيق
ومقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتفق على حله، ولكنه بلغ اعتقادهم في حل الربا، أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل، حتى شبهوا به البيع، فتدبره فإنه دقيق.
اللطيفة الرابعة: النكتة في الآية الكريمة ﴿ يمحق الله الربوا ويربي الصدقت ﴾ أن المرابي يطلب الربا زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبين سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان، والزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ تنكير الحرب للتفخيم وقد زادها فخامة وهولا، نسبتها إلى اسم الله الأعظم، وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته صلى الله عليه وسلم، أي أيقنوا بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره، كائن من عند الله ورسوله، ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا، وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكل الربا.
قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب.
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ صيغة كفار (فعال) وصيغة أثيم (فعيل) كلاهما من صيغ المبالغة ومعناهما كثير الكفر والإثم، وفي الآية تغليظ لأمر الربا، وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.