تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بين تعالى أن الطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تتزوج بعده بزوج آخر، أما إذا لم يكن الطلاق ثلاثا فله أن يراجعها إلى عصمة نكاحة، فإما أن يمسكها بالمعروف فيحسن معاشرتها وصحبتها وإما أن يطلق سراحها لتتزوج بمن تشاء لعلها تسعد بالزواج الثاني

وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته

[النساء: 130].

ولا يحل الله لكم أيها الرجال أن تأخذوا مما دفعتم إليهن من المهور شيئا، لأنكم قد استمتعتم بهن إلا إذا خفتم سوء العشرة بين الزوجين، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فليس هناك جناح من أخذ الفداء.

ثم بين تعالى أنه إذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحل له إلا بالزواج بزوج آخر، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، فإن طلقها الزوج الثاني فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول إن كان ثمة دلائل تدل على الوفاق والتلاق.

ثم أمر تعالى الرجال بالإحسان في معاملة الأزواج وعدم الإضرار بهن، كما أمر الأولياء بألا يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها إذا رغبت في العودة، لا سيما إذا صلحت الأحوال وظهرت أمارات الندم على الزوجين في استئناف الحياة الفاضلة، والعيشة الكريمة.

سبب النزول

أولا: روي أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكان يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فعمد رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن ﴾ الآية.

ثانيا: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، يفعل بها ذلك يضارها ويعضلها فأنزل الله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النسآء... ﴾ الآية.

ثالثا: وأخرج البخاري والترمذي عن (معقل بن يسار) رضي الله عنه أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتك فلطقتها! والله لا ترجع إليك أبدا قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله ﴿ وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن... ﴾ الآية فلما سمعها (معقل) قال: سمعا لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك.

وجوه القراءات

1 - قرأ الجمهور ﴿ ثلاثة قروء ﴾ بالهمزة وقرأ نافع (ثلاثة قرو) بكسر الواو وشدها من غير همز، وقرأ الحسن (قرء) بفتح القاف وسكون الراء.

2 - قرأ الجمهور ﴿ إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله ﴾ وقرأ حمزة (إلا أن يخافا) بضم الياء مبنيا للمجهول، وقرئ يظنا.

3 - قرأ الجمهور ﴿ وتلك حدود الله يبينها ﴾ بالياء أي يبينها الله، وقرأ عاصم (نبينها) بالنون وهي نون التعظيم.

وجوه الإعراب

1 - قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ المطلقات مبتدأ والجملة الفعلية خبر، و ﴿ ثلاثة قروء ﴾ منصوب على الظرفية، والمفعول به محذوف أي يتربصن الزوج.

2 - قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر فاعل ل (يحل) والتقدير: لا يحل لهن كتمان، و(ما) اسم موصول بمعنى الذي مفعول ل (يكتمن).

3 - قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ للرجال خبر مقدم و(درجة) مبتدأ مؤخر، وجاز الابتداء بالنكرة لتقدم الجار والمجرور عليها.

4 - قوله تعالى: ﴿ ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ﴾ ضرارا مفعول لأجله أي من أجل الضرار، وجوز بعضهم أن يكون منصوبا على الحال أي (مضارين) و(لتعتدوا) متعلق ب (ضرارا).

لطائف التفسير

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ١٠٠