يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. فَإِذَا أَمَرَ النَّاسَ بِحِفْظِ الْحُدُودِ وَإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ لِمَصْلَحَتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ. وَإِذَا خَلَقَ أُمُورًا أُخْرَى، فَإِذَا فَرَّطُوا وَاعْتَدَوْا بِسَبَبِ خَلْقِهِ لِأُمُورٍ أُخْرَى (١) أَوْجَبَتِ (٢) الضَّرَرَ الْحَاصِلَ مِنْ تَفْرِيطِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، وَكَانَ لَهُ فِي خَلْقِ الْمَخْلُوقِ الثَّانِي حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ أُخْرَى (٣)، كَانَ عَادِلًا حَكِيمًا (٤) فِي خَلْقِ هَذَا وَخَلْقِ هَذَا، وَالْأَمْرِ بِهَذَا وَالْأَمْرِ بِهَذَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمُدَّ الْأَوَّلِينَ بِزِيَادَةٍ يَحْتَرِسُونَ (٥) بِهَا مِنَ التَّفْرِيطِ وَالْعُدْوَانِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَوْ خَلَقَهَا لَلَزِمَ مِنْهَا تَفْوِيتُ مَصْلَحَةٍ أَرْجَحَ مِنْهَا (٦)، فَإِنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إِلَّا حُجَّةَ تَعْلِيلٍ، لِعَدَمِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ الَّذِي بَيَّنَهُ الْعِلْمُ (٧)، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَيٌّ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ وَهَمَّامٌ» " (٨) فَالْحَارِثُ الْكَاسِبُ الْعَامِلُ، وَالْهَمَّامُ الْكَثِيرُ الْهَمِّ، وَالْهَمُّ مَبْدَأُ
(١) ب، أ: الْأُمُورَ الْأُخْرَى.
(٢) سَاقِطٌ مِنْ (ب)، (أ) وَفِي (م) فَقَطْ: مِنْ تَفْرِيطِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ.
(٣) سَاقِطٌ مِنْ (ب)، (أ) وَفِي (م) فَقَطْ: مِنْ تَفْرِيطِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ.
(٤) ب، أ: حَكَمًا.
(٥) م فَقَطْ: يَحْتَرِزُونَ.
(٦) مِنْهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب)، (أ) .
(٧) م، ن: مِنْهُ الْعِلْمُ.
(٨) ع: وَالْهَمَّامُ. وَالْحَدِيثُ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٤/٣٩٤ (كِتَابُ الْأَدَبِ، بَابٌ فِي تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ) وَنَصُّهُ فِيهِ: تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةٌ. وَالْحَدِيثُ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ ط الْحَلَبِيِّ ٤/٣٤٥.