تخطَّ إلى المحتوى

(فصل)

وأما قول الرافضي: إنهم يقولون الإمام بعد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَبُو بَكْرٍ بِمُبَايَعَةِ عُمَرَ، بِرِضَا أَرْبَعَةٍ، فَيُقَالُ لَهُ لَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَئِمَّةِ السنّة، وإن كان بعض أهل الكلام يقول إِنَّ الْإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِبَيْعَةِ أَرْبَعَةٍ، كَمَا قَالَ بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليس هَذِهِ أَقْوَالَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، بَلِ الْإِمَامَةُ عِنْدَهُمْ تَثْبُتُ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الشَّوْكَةِ عَلَيْهَا، وَلَا يَصِيرُ الرجل إماما حتى يوافقه، أهل الشوكة الَّذِينَ يَحْصُلُ بِطَاعَتِهِمْ لَهُ مَقْصُودُ الْإِمَامَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْإِمَامَةِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ، فَإِذَا بُويِعَ بَيْعَةً حَصَلَتْ بِهَا الْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ، صار إماما، ولهذا قال أئمة السنّة مَنْ صَارَ لَهُ قُدْرَةٌ وَسُلْطَانٌ، يَفْعَلُ بِهِمَا مَقْصُودَ الْوِلَايَةِ فَهُوَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ، الَّذِينَ أمر الله بطاعتهم، ما لم يأمروا بمعصبة اللَّهِ، فَالْإِمَامَةُ مُلْكٌ وَسُلْطَانٌ، وَالْمُلْكُ لَا يَصِيرُ مُلْكًا بِمُوَافَقَةِ وَاحِدٍ وَلَا اثْنَيْنِ، وَلَا أَرْبَعَةٍ، إلا أن تكون مُوَافَقَةَ غَيْرِهِمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُلْكًا بِذَلِكَ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ يَفْتَقِرُ إِلَى الْمُعَاوَنَةِ عَلَيْهِ، لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ مَنْ يُمْكِنُهُمُ التَّعَاوُنُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا بُويِعَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه - وصار معه شوكة صار إماما.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِنَصِّ عُمَرَ عَلَى سِتَّةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ فَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُقَالُ أَيْضًا عُثْمَانُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِاخْتِيَارِ بَعْضِهِمْ بَلْ بِمُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بايعوا عثمان بن عفان لم يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَتِهِ أَحَدٌ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَمْدَانَ بْنِ عَلِيٍّ: مَا كَانَ في القوم اوكد من بيعة عُثْمَانَ كَانَتْ بِإِجْمَاعِهِمْ.

فَلَمَّا بَايَعَهُ ذَوُو الشَّوْكَةِ والقدرة صار إماما، وإلا لو قُدِّرَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَايَعَهُ وَلَمْ يُبَايِعْهُ غيره عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَهْلِ الشَّوْكَةِ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا.

وَلَكِنَّ عُمَرَ لَمَّا جَعَلَهَا شُورَى فِي سِتَّةٍ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطِلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ بِاخْتِيَارِهِمْ وَبَقِيَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَاتَّفَقَ الثَّلَاثَةُ بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَا يَتَوَلَّى وَيُوَلِّي أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ.

مختصر منهاج السنة · الصفحة ٦١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.