بَعْدَ أَنْ حُرِّمَتْ لَمْ تُحل، وَأَنَّهَا إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَمْ تُحل بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ تُحَرَّمْ عَامَ خَيْبَرَ، بَلْ عَامَ خَيْبَرَ حُرِّمَتْ لُحُومُ الحُمُر الْأَهْلِيَّةِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُبِيحُ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ الحُمُر فَأَنْكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ وَحَرَّمَ لحوم الحمر يوم خيبر، فقرن علي ّ - رضي الله عنه - بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ لَمَّا روى ذلك لابن عباس رضي الله عنهمما، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُبِيحُهُمَا. وَقَدْ رَوَى عن ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُمَا.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ اتَّبَعُوا عَلِيًّا وَغَيْرَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِيمَا رَوَوْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَالشِّيعَةُ خَالَفُوا عَلِيًّا فِيمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَاتَّبَعُوا قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الزَّوْجَةَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وَالْمُتَمَتَّعُ بِهَا لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً لَتَوَارَثَا، وَلَوَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَلَحِقَهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الزَّوْجَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا انْتَفَى عَنْهَا لَوَازِمُ النِّكَاحِ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ النِّكَاحِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ. وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ فِي كِتَابِهِ الْأَزْوَاجَ وَمِلْكَ الْيَمِينِ، وحرَّم مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون﴾ (١) .
وَالْمُسْتَمْتَعُ بِهَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، فَتَكُونُ حَرَامًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ. أَمَّا كَوْنُهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً فَلِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ النِّكَاحِ فِيهَا، فَإِنَّ مِنْ لَوَازِمِ النِّكَاحِ كَوْنَهُ سَبَبًا لِلتَّوَارُثِ وَثُبُوتِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِيهِ، وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، وَتَنْصِيفِ الْمَهْرِ بِالطَّلَاقِ قبل الدخول، وغير ذلك من اللوازم.
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَمَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا فَقَالَتْ يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَتَرِثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي؟ وَالْتَجَأَ فِي ذَلِكَ إلى رواية انفرد بها - وَكَانَ هُوَ الْغَرِيمَ لَهَا، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورث، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» عَلَى أَنَّ مَا رَوَوْهُ عَنْهُ
(١) الآيات ٥-٧ من سورة المؤمنون.