تخطَّ إلى المحتوى

رَأْيٌ رَأَيْتَهُ؟ فَقَالَ: بَلْ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ. رَوَاهُ أبو داود وغيره (١) .

فإن كَانَ مِثْلُ هَذَا الرَّأْيِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ مَا حَصَلَ، لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، فَكَيْفَ بِذَلِكَ الرَّأْيِ الَّذِي اتَّفَقَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حُسْنِهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِي الْجَدِّ بِسَبْعِينَ قَضِيَّةً، فَهَذَا كَذِبٌ. وَلَيْسَ هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا نُقل هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ بل نقل هذا عن أبى بَكْرٍ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَهْلِ هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضِ وكذبهم.

(فَصْلٌ)

قَالَ الرَّافِضِيُّ: فَأَيُّ نِسْبَةٍ لَهُ بِمَنْ قَالَ: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي عَنْ طُرُقِ السَّمَاءِ فَإِنِّي أَعْرَفُ بِهَا مِنْ طُرُقِ الأرض» .

قال أبو البحتري: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ بِالْكُوفَةِ، وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - متقلدًا لسيف رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُتَعَمِّمًا بِعِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَفِي أصبعه خاتم رسول الله - ﷺ - فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فَقَالَ: سَلُونِي مِنْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَإِنَّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ مِنِّي عِلْمٌ جَمٌّ، هَذَا سَفَطُ الْعِلْمِ، هَذَا لُعَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، هَذَا مَا زَقَّنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زِقًّا مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ إِلَيَّ، فَوَاللَّهِ لَوْ ثُنيت لِي وِسَادَةٌ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَفْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَأَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، حَتَّى يُنطق اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فَتَقُولُ: صَدَقَ عَلِيٌّ، قَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فيَّ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ» .

وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ: «سَلُونِي» فَإِنَّمَا كَانَ يُخَاطِبُ بِهَذَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لِيُعَلِّمَهُمُ الْعِلْمَ وَالدِّينَ؛ فَإِنَّ غَالِبَهُمْ كَانُوا جُهَّالًا لَمْ يُدْرِكُوا النَّبِيَّ - ﷺ -. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ الَّذِينَ حَوْلَ مِنْبَرِهِ هُمْ أكابر أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، الَّذِينَ تعلَّموا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْعِلْمَ وَالدِّينَ، فَكَانَتْ رَعِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وأَدْيَنها. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانَ عَلِيٌّ يُخَاطِبُهُمْ فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ عَوَامِّ النَّاسِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ شِرَارِ التَّابِعِينَ. وَلِهَذَا كان علي ّ - رضي الله عنه - يَذُمُّهُمْ وَيَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَكَانَ التَّابِعُونَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ خَيْرًا مِنْهُمْ.

(١) انظر مسلم ج٤ ص ٢١٤٣ وسنن أبي داود ج٤ ص ٣٠٠.

مختصر منهاج السنة · الصفحة ٢٦٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.