وَقَوْلِهِ: ﴿ُيرِيدُ اللهُ ِليُبَين لَكُم وَيَهْدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُم﴾ (١)، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ذَلِكَ لَكُمْ، وَيَرْضَاهُ لَكُمْ، وَيَأْمُرُكُمْ بِهِ فَمَنْ فَعَلَهُ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْمُرَادُ الْمَحْبُوبُ الْمَرْضِيُّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذلك
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ» .
فَيُقَالُ لَهُ: أَوَّلًا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفَرْضِ، وَأَمَّا صَدَقَاتُ التَّطَوُّعِ فَقَدْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنِ الْمِيَاهِ الْمُسَبَّلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْنَا الْفَرْضُ، وَلَمْ يحَرّم عَلَيْنَا التَّطَوُّعُ. وَإِذَا جَازَ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِصَدَقَاتِ الْأَجَانِبِ الَّتِي هِيَ تَطَوُّعٌ، فَانْتِفَاعُهُمْ بِصَدَقَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَولَى وَأَحْرَى؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمْ
تَكُنْ زَكَاةً مَفْرُوضَةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ الَّتِي حُرِّمَتْ عليهم، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْفَيْءِ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْفَيْءُ حَلَالٌ لَهُمْ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - جَعَلَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ صَدَقَةً، إِذْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ أَحَقُّ بِصَدَقَتِهِ؛ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: فِي مُعَارَضَتِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ - رضي الله عنه - فَيُقَالُ: جَابِرٌ لَمْ يَدَعْ حَقًّا لِغَيْرِهِ يُنتزع مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ ويُجعل لَهُ، وَإِنَّمَا طَلَبَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ، وَلَوْ لَمْ يَعِدْهُ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَإِذَا وَعَدَهُ بِهِ كَانَ أوْلى بِالْجَوَازِ، فَلِهَذَا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى بيِّنة.
أَمَّا قِصَّةُ فَاطِمَةَ رضي الله عنها فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ دَعْوَاهَا الْهِبَةَ وَالشَّهَادَةَ الْمَذْكُورَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ بِالْقَدْحِ فِيمَنْ يحتجون له أشبه منه بالمدح.
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْجَمَاعَةِ كُلُّهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي حَقِّ أَبِي ذَرٍّ: «مَا أقلَّت الْغَبْرَاءُ، وَلَا أظلَّت الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ»، وَلَمْ يسمُّوه صدِّيقا، وسمُّوا أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يرد مثل ذلك في حقه» .
(١) الآية ٢٦ من سورة النساء.