وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، وَمَعَ هَذَا فَحُزْنُ الْقَلْبِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
كَمَا قَالَ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ عَلَى دَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا عَلَى حُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يؤاخذ على هذا - يعني اللسان - أو يَرْحَمُ» (١) .
وَقَوْلُهُ: «إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ يَقِينِهِ بِاللَّهِ» .
كَذِبٌ وَبُهْتٌ؛ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ حَزِنُوا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ يَقِينِهِمْ بِاللَّهِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ يَعْقُوبَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (٢) .
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ الْحُزْنِ نَبِيَّهُ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: (﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (﴾ (٣) .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «يَدُلُّ عَلَى الْخَوَرِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ» . هُوَ بَاطِلٌ، كَمَا تَقَدَّمَ نظائره.
(فصل)
وقو له: «وَإِنْ كَانَ الْحُزْنُ طَاعَةً اسْتَحَالَ نَهْيُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ معصية كان ما ادّعوه فضيلةً رذيلة» .
وَالْجَوَابُ: أَوَّلًا: أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ مُجَرَّدَ الْحُزْنِ كَانَ هُوَ الْفَضِيلَةَ، بَلِ الْفَضِيلَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿(إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (﴾ (٤) .
فَالْفَضِيلَةُ كَوْنُهُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَاخْتَصَّ بِصُحْبَتِهِ، وَكَانَ لَهُ كَمَالُ الصُّحْبَةِ مُطْلَقًا، وَقَوْلُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَهُ: «أَنْ اللَّهَ مَعَنَا» وَمَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ مُوَافَقَتِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَحَبَّتِهِ وَطُمَأْنِينَتِهِ، وَكَمَالِ مَعُونَتِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَمُوَالَاتِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ كَمَالِ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ مَا هُوَ الْفَضِيلَةُ.
وَكَمَالُ مَحَبَّتِهِ وَنَصْرِهِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - هُوَ الْمُوجِبُ لِحُزْنِهِ، إِنْ كَانَ حَزِنَ، مَعَ أن القرآن لم يدل
(١) انظر البخاري ج٢ ص ٨٤ ومسلم ج٢ ص ٦٣٦.
(٢) انظر البخاري ج٢ ص ٨٣ - ٨٤ ومسلم ج٤ ص ١٨٠٧ - ١٨٠٨.
(٣) الآية ١٢٧ من سورة النحل.
(٤) الآية٤٠ من سورة التوبة.