تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ - سُورَةَ سَأَلَ سَائِلٌ - مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَهَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ غَدِيرِ خُم بِعَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَكُونُ نَزَلَتْ بَعْدَهُ؟

وَأَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالُوا الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ (١)، فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَقَدْ نَزَلَتْ عَقِيبَ بَدْرٍ بِالِاتِّفَاقِ قَبْلَ غَدِيرِ خُم بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ مَا قَالَهُ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ، كَأَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ ذكَّر نبيَّه بما كانوا يقولون بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالُوا الَّلهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ . أي اذكر قولهم.

وَأَيْضًا فَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ أُمر بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، وَعَلَى هَذَا فَقَدَ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ قَالَ: فَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَمْ يُصِبْهُ هَذَا.

وَأَيْضًا فَهَذَا الرَّجُلُ لَا يُعرف فِي الصَّحَابَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الطُّرُقِيَّةُ، مِنْ جِنْسِ الأحاديث التي في سيرة عنتر ودلهمة.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقال: أَنْتُمُ ادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ إِمَامَتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن

رَّبِّكَ﴾ (٢) . وَهَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا أُنزل إِلَيْهِ مِنْ ربِّه، لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ معيَّن.

فَدَعْوَى الْمُدَّعَى أَنَّ إِمَامَةَ عَلِيٍّ هِيَ ما بلَّغها، أَوْ مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهَا، لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ كَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا بِالْخَبَرِ لَا بِالْقُرْآنِ. فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِمَامَةَ عَلِيٍّ مِمَّا أُمر بِتَبْلِيغِهِ، فَقَدِ افْتَرَى عَلَى الْقُرْآنِ، فَالْقُرْآنُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقال: هَذِهِ الْآيَةُ، مَعَ مَا عُلم مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -، تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَزِّلْهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ، لَبَلَّغَهُ، فَإِنَّهُ لَا يعصى الله في ذلك.

وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فقد كذب، والله

(١) الآية ٣٢ من سورة الأنفال.

(٢) الآية ٦٧ من سورة المائدة.

مختصر منهاج السنة · الصفحة ٣٦٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر منهاج السنةص ٣٦٨