وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ فَهَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿َ لوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِم خَيْرًا﴾ (١)
نزلت في قصة عائشة - رضي الله عنه - افي الْإِفْكِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِ المؤمنين والمؤمنات.
وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ فَاطِمَةَ فَفَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ، كَمَا أَنَّ تَزْوِيجَهُ عُثْمَانَ بِابْنَتَيْهِ فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ سُمِّي ذو النُّورَيْنِ. وَكَذَلِكَ تَزَوُّجُهُ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَبِنْتَ عُمَرَ فَضِيلَةٌ لَهُمَا، فَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ أَصْهَارُهُ - ﷺ - ورضي الله عنهم.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَظَهَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ» فَكَأَنَّهُ يسمّى كرامات الأولياء معجزات، وهذا إصلاح لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. فَيُقَالُ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَهُ كَرَامَاتٌ، وَالْكَرَامَاتُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عَوَامِّ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى عَلِيٍّ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ الْكَرَامَاتُ ثَابِتَةً لِعَلِيٍّ - رضي الله عنه -؟ وَلَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْكَرَامَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «حَتَّى ادّعى قوم فيه الربوبية وقتلهم» .
فَهَذِهِ مَقَالَةُ جَاهِلٍ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ وَمَا ادَّعَى فِيهِ أَحَدٌ من الصحابة الإلهية.
الثاني: أَنَّ مُعْجِزَاتِ الْخَلِيلِ وَمُوسَى أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ وَمَا ادَّعَى أَحَدٌ فِيهِمَا الْإِلَهِيَّةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مُعْجِزَاتِ نبينا ومعجزات موسى أعظم من مُعْجِزَاتُ الْمَسِيحِ، وَمَا ادُّعيت فِيهِمَا الْإِلَهِيَّةُ كَمَا ادُّعِيَتْ فِي الْمَسِيحِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَسِيحَ ادُّعِيَتْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةُ أَعْظَمَ مِمَّا ادُّعِيَتْ فِي مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ لَا عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ وَلَا عَلَى أَنَّ مُعْجِزَاتِهِ أَبْهَرُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فِيهِمَا دَعْوَى بَاطِلَةٌ تُقَابِلُهَا دَعْوَى بَاطِلَةٌ، وَهِيَ دَعْوَى الْيَهُودِ في المسيح، ودعوى الْخَوَارِجِ فِي عَلِيٍّ؛ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ كفَّروا عَلِيًّا، فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقال: إِنَّمَا ادُّعِيَتْ فِيهِ الإلهية لقوة الشبهة. وجاز أَنْ يُقَالَ، إِنَّمَا ادُّعِيَ فِيهِ الْكُفْرُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ، وَجَازَ أَنْ يُقَالَ، صَدَرَتْ مِنْهُ ذُنُوبٌ اقتضت أن يكفّره بها الخوارج.
وَالْخَوَارِجُ أَكْثَرُ وَأَعْقَلُ وَأَدْيَنُ مِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، فَإِنْ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا، وجُعلت هَذِهِ الدَّعْوَى مَنْقَبَةً، كَانَ دَعْوَى الْمُبْغِضِينَ له ودعوى الخوارج مثلبة أقوى
(١) الآية ١٢ من سورة النور.