قوله : ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً ﴾ معطوف على قوله قبل ذلك ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة ﴾ والمراد بالكتاب الأول : القرآن الكريم وأل فيه للعهد .
والمراد بالكتاب الثاني : جنس الكتب السماوية المتقدمة فيشمل التوراة والإِنجيل وأل فيه للجنس وقوله ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ أي : رقيبا على ما سبقه من الكتب السماوية المحفوظة من التغيير ، وأمينا وحاكما عليها؛ لأنه هو الذي يشهد لها بالصحة ويقرر أصول شرائعها .
قال ابن جرير : وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب . يقال : إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه . فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن .
وقال صاحب الكشاف : وقرئ ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ - بفتح الميم - أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل كما قال - تعالى - : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ والذي هيمن عليه هو الله - عز وجل . أو الحفاظ في كل بلد ، لو حُرِّّف حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه له كل أحد ، ولاشمأزوا ، رادين ومنكرين .
والمعنى : لقد أنزلنا التوراة على موسى ، والإِنجيل على عيسى ، وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الجامع لكل ما اشتملت عليه الكتب السماوية من هدايات وقد أنزلناه ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، وجعلناه ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب ﴾ أي : مؤيداً لما في تلك الكتب التي تقدمته : من دعوة إلى عبادة الله وحده ، و إلى التمسك بمكارم الأخلاق . وجعلناه كذلك " مهيمنا عليها " أي : أمينا ورقيبا وحاكما عليها .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أشار إلى سمو مكانة القرآن من بين الكتب السماوية بإشارات من أهمها :
أنه - سبحانه - لم يقل : وقفينا على آثارهم - أي على آثار الأنبياء السابقين - بمحمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه القرآن . كما قال في شأن عيسى ابن مريم ﴿ وَقَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَآتَيْنَاهُ الإنجيل ﴾ إلخ .
لم يقل ذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شأن القرآن الكريم ، وإنما قال : ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ للإِشارة إلى معنى استقلاله وعدم تبعيته لغيره من الكتب التي سبقته ، وللإِيذان بأن الشيعة التي هذا كتابها هي الشريعة الباقية الخالدة التي لا تقبل النسخ أو التغيير .
وأنه - سبحانه - لم يزد في تعريف الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على تعريفه بلام العهد فقال : ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب ﴾ للإِشارة إلى كماله وتفوقه على سائر الكتب .
أي : أنه الكتاب الذي هو جدير بهذا الاسم ، بحيث إذا أطلق اسم الكتاب لا ينصرف إلا إليه لأنه الفرد الكامل من بين الكتب في هذا الوجود .
وأنه - سبحانه - قد وصفه بأنه قد أنزله ملتبسا بالحق والصدق ، وأنه مؤيد ومقرر لما اشتملت عليه الكتب السماوية من الدعوة إلى الحق والخير ، وأنه - فضلا عن كل ذلك - أمين على تلك الكتب ، وحاكم عليها ، فما أيده من أحكامها وأقوالها فهو حق ، ومال مل يؤيده منها فهو باطل .
قال ابن كثير : جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها ، جعله أشملها وأعظمها وأكملها ، لأنه - سبحانه - جمع فيه محاسن ما قبله من الكتب وزاد فيه من الكمالات ما ليس في غيره ، فلهذا جعله شاهداً وأمينا وحاكما عليها كلها ، وتكفل - سبحانه - بحفظه بنفسه فقال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقوله : ﴿ فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق ﴾ أمر من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتلزم في حكمه بين الناس الأحكام التي أنزلها - سبحانه - والفاء في قوله : ( فاحكم ) للإِفصاح عن شرط مقدر .