تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم تكن عقائد النصارى وحدهم هي التي دخلت في تلك المتاهة ; فقد خبطت شتى الوثنيات في ذلك التيه ; وتصورت للنبوة صفات غامضة ; بعضها يصل بين النبوة والسحر ! وبعضها يصل بين النبوة والتنبؤات الكشفية ! وبعضها يصل بين النبوة والجن والأرواح الخفية !

وكثير من هذه التصورات كان يخالج الوثنية العربية . .

من أجل هذا كان بعضهم يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينبئهم بالغيب ! وبعضهم كان يقترح أن يصنع لهم خوارق مادية معينة ! كما أنهم كانوا يرمونه صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر , وبأنه "مجنون" - أي على صلة بالجن ! - وبعضهم كان يطلب أن يكون معه ملك . . .

إلى آخر هذه المقترحات والتحديات والاتهامات التي كانت متلبسة بالتصورات الوثنية عن طبيعة النبي وطبيعة النبوة !

ولقد جاء هذا القرآن ليجلي الحقيقة كاملة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي ; وعن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ; وعن حقيقة الألوهية المتمثلة في الله وحده - سبحانه - وحقيقة العبودية التي تشمل كل ما خلق الله وكل من خلق ; ومنهم أنبياء الله ورسله ; فهم عباد صالحون ; وليسوا خلقا آخر غير البشر ; وليس لهم من خصائص الألوهية شيء ; وليسوا على اتصال بعوالم الجن والخفاء المسحور ! إنما هو الوحي من الله - سبحانه - وليس لهم وراءه شيء من القدرة على الخوارق - إلا بإذن الله حين يشاء - فهم بشر من البشر , وقع عليهم الاختيار , وبقيت لهم بشريتهم وعبوديتهم لله - سبحانه - كبفية خلق الله .

******************

قال تعالى : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ? إنما يتذكر أولو الألباب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق , والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل , ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب . والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم , وأقاموا الصلاة , وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية , ويدرأون بالحسنة السيئة , أولئك لهم عقبى الدار . . .) .

وهكذا يتقرر أن الذين لا يستجيبون لهذا الحق هم - بشهادة الله سبحانه - عمي . وأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون . وأن الذين يستجيبون له هم أولو الألباب , وهؤلاء تطمئن قلوبهم بذكر الله , وتتصل بما هي عارفة له ومصطلحة عليه بفطرتها العميقة , فتسكن وتستريح .

وإن الإنسان ليجد مصداق قول الله هذا في كل من يلقاه من الناس معرضا عن هذا الحق الذي تضمنه دين الله , والذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول الله . . فإن هي إلا جبلات مؤوفة مطموسة . وإن هي إلا كينونات معطلة في أهم جوانبها بحيث لا تتلقى إيقاعات هذا الوجود كله من حولها , وهو يسبح بحمد ربه ; وينطق بوحدانيته وقدرته وتدبيره وتقديره .

وإذا كان الذين لا يؤمنون بهذا الحق عميا - بشهادة الله سبحانه - فإنه لا ينبغي لمسلم يزعم أنه يؤمن برسول الله , ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله . .

لا ينبغي لمسلم يزعم هذا الزعم أن يتلقى في شأن من شؤون الحياة عن أعمى !

وبخاصة إذا كان هذا الشأن متعلقا بالنظام الذي يحكم حياة الإنسان ; أو بالقيم والموازين التي تقوم عليها حياته ; أو بالعادات والسلوك والتقاليد والآداب التي تسود مجتمعه . .

وهذا هو موقفنا من نتاج الفكر - غير الإسلامي - بجملته - فيما عدا العلوم المادية البحتة وتطبيقاتها العملية مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" أنتم أعلم بشؤون دنياكم " . فإنه ما ينبغي قط لمسلم يعرف هدى الله ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله , أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى ولم يعلم أنه الحق . .

فهو أعمى بشهادة الله سبحانه . . ولن يرد شهادة الله مسلم . .

ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم !!!

إنه لا بد لنا أن نأخذ هذا الدين مأخذ الجد ; وأن نأخذ تقريراته هذه مأخذ الجزم . . وكل تميع في مثل هذه القضية هو تميع في العقيدة ذاتها ; إن لم يكن هو رد شهادة الله - سبحانه - وهو الكفر البواح في هذه الصورة !

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٥